هذا محمَّدٌ قد انقطعَ عن أصحابه، فقال: قتلَني اللَّهُ إنْ لَمْ أقتله، ثمَّ انحدرَ مِنْ الجبل ومعه السَّيفُ، فلم يشعر به النبيُّ ﷺ إلَّا وهو قائمٌ على رأسِه قد سلَّ سيفه، فقال: يا محمد، مَنْ يمنعك منِّي اليوم؟ فقال ﵊: "اللَّهُ ﷿" ثمَّ قال: "اللهمَّ اكفنيه بما شئت"، ثمَّ أهوى بالسَّيف إلى رسول اللَّه ﷺ ليضربَهُ، فانكبَّ لوجهه لزُلَّخةٍ زُلِّخَها -بضمِّ الزاي وتشديد اللام (¬١) -، وندرَ السَّيفُ، فقام النبيُّ ﷺ، فأخذه وقال: "يا حويرث؛ مَن يمنعك منِّي الآن؟ " قال: لا أحد، قال: "فتشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأنِّي عبدُ اللَّه (¬٢) ورسوله، وأعطيكَ سيفَك" قال: لا، ولكن أشهد ألَّا أقاتلك أبدًا، ولا أُعِيْنُ عليك عدوًّا، فأعطاه النبيُّ ﷺ سيفَه، فقال: واللَّه لأنت خيرٌ منِّي، فقال النبيُّ ﷺ: "أجل، أنا أحقُّ بذلك منك"، فرجعَ إلى أصحابه، فقالوا له: ويلك لقد رأيناك قائمًا على رأسِه بالسَّيف، فما منعك منه؟ قال: واللَّه؛ لقد أهويتُ إليه بالسَّيفِ لأضرِبَهُ؛ فواللَّه لا أدري مَن زلَّخني بين كتفَي؟! فخررتُ لوجهي، وخرَّ سيفي من يدي، فأخذَه، وذكر ما كان منه، ثمَّ قطع النبيُّ ﷺ الوادي وأتى إلى أصحابه (¬٣)، وإذا (¬٤) هم جميعٌ، فقرأ عليهم هذه الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: مِن عدوِّكم (¬٥).
* * *