وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾؛ أي: كَذِبًا محيِّرًا (¬١) مَنْ كَذبَ عليه، لغايةِ استحالته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: وِزْرًا (¬٢) ظاهرًا؛ أي: يُظهِرُهُ اللَّهُ تعالى، فيُعرَفُ بالبُهتان في الدُّنيا، ويعاقَبُ بإثمه في العُقبى.
وقال الكلبيُّ: ولمَّا نزل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨] عَرَفَ قومُ طعمة أنَّه الظَّالم، فقالوا له: بؤ بالذَّنبِ، واتَّق (¬٣) اللَّه، فقال: لا واللَّه الذي يُحلَف به، ما سرقَها إلَّا اليهوديُّ، فأنزلَ اللَّه ﷻ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يمينًا كاذبةً، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقة الدِّرعِ، ورميَ اليهوديِّ به (¬٤)، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ كذبًا على غيرِه بما لم يفعل، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ذنبًا بيِّنًا بينه وبين ربِّه.
ثمَّ قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ إنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ ولم يقل: بهما، مع سبق ذِكْرِ اثنين؛ لأنَّه صرفَهُ إلى أحدِهما، وهو أقربُهما إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، لم يَصرِفْهُ إلى أقربِهما؛ لأنَّ التجارةَ هي المقصودةُ، واللَّهوُ بسببها، فكان صرفُه (¬٥) إلى المقصودِ أولى، وفي الآيتين اللَّتين (¬٦) قبلَهما كلُّ واحدٍ منهما في المراد مثلُ الآخر، وأحدُهما أقربُ، فكان (¬٧) أولى.