قالوا: يا محمَّد لم تَعيبُ صاحبَنا؟ قال: "ومَن صاحبُكم؟ " قالوا: عيسى، قال: "وأيَّ شيءٍ أقول؟ " قالوا: تقولُ: إنَّه عبدُ اللَّهِ ورسولُه، قال: "ليس بعارٍ أنْ يكون عبدًا للَّه"، قالوا: بل هو عارٌ، فنزلَت هذه الآية: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ (¬١) الآية (¬٢).
وتعلَّقَ المعتزلةُ القائلون بتفضيلِ الملائكة على البشرِ بهذه الآية، وقالوا: إنَّ هذا بمنزلة قول القائل: لا يستنكفُ فلانٌ عن خِدمتي ولا أبوه، ولو قال: ولا عبدُه لم يحسن.
وجوابنا عن ذلك: أنَّ هذا ليس لتفضيل الملائكةِ على البشر، لكنَّه للردِّ على النَّصارى والمشركين؛ فإنَّ النَّصارى قالوا: المسيحُ ابنُ اللَّه، ومشركو العربِ قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّه، فردَّ اللَّهُ على الفريقين، فقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، وهذا ردٌّ على النَّصارى، ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهذا ردٌّ على مشركي العرب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ رُفِعَ لأنَّ الفاءَ دخلَتْ (¬٣)، فلم يُجزَم على الجزاء، وصار كالابتداء، وقرأ الحسنُ البصريُّ: (فسنحشرهم)، (فنُوفِّيهم)، (ونزيدُهم)، (فنُعذِّبهم) هذه الأربعة بالنُّون (¬٤)؛ إخبارًا من اللَّهِ عن نفسه بخطابِ الملوك، وقراءةُ العامَّة بالياء، وهو أحسن؛ لأنَّه قال: ﴿إِلَيْهِ﴾، وقال قبله: ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾، والجمعُ في قولِه: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يرجعُ إلى المعنى، وقولُه: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ توحيدُه لظاهرِ اللفظ، ثمَّ معناه: فإنَّ اللَّهَ سيجمَعُهم يومَ القيامة إلى حكمه؛ فيجازيهِم على استنكافِهِم واستكبارِهم.