بعثوا عمرَو بنَ العاص في رهْطٍ مِنهم، فسَبقوا إلى النَّجاشيِّ، وأتوهُ بهديَّةٍ مِن مكَّة، وقالوا له (¬١): إنَّه قد خرجَ فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريش وأحلامَها، زعمَ أنَّه نبيٌّ، وإنَّه بعثَ إليك رهطًا ليُفسِدوا قومَك عليك، فأحْبَبنا أنْ نأتيَك ونُخبرَك من هم (¬٢)، فقال: إن جاؤوني نظرتُ فيما يَقولون.
فقدمَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ، فأتوا باب النَّجاشيَّ، فقالوا: يستأذِنُ عليك حزبُ اللَّه، فقال: ائذنوا لهم، فمرحبًا بحزب اللَّه، فلمَّا دخلوا عليه قال جعفر: السَّلامُ على مَن اتَّبعَ الهُدى، وخشي عواقبَ الرَّدى، فقال له رهْطُ المشركين: أيُّها الملِكُ، إنَّا قد صدَقناك، وإنَّهم لم يُحيُّوك بتحيَّةِ الملك، فقال لهم: ما منعَكم أنْ تُحيُّوني بتَحيَّتي، فقالوا: إنا قد حييناك بتحيَّةِ أهل الجنَّة وتحيَّةِ الملائكة، فقال لهم: ما يَقولُ صاحبُكم في عيسى وأمِّه، قالوا: إنَّه يَقولُ: عبدُ اللَّه، وكلمةٌ مِن اللَّه ألقاها إلى مريم، ويقولُ في مريمَ: إنَّها العذراءُ الطَّيِّبةُ البَتول، فأخذَ عُودًا مِن الأرض، فقال: ما زادَ عيسى وأمُّه على ما قال صاحِبُكم فوق هذا العود، فكرهَ المشركون قولَه، وتَغيَّرت وجوهُهم، ثمَّ قال لأصحابِ رسول اللَّه ﷺ: هل تَعرفون شيئًا ممَّا أُنزِل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرؤوا فقرؤوا (¬٣).
وفي بعض الروايات: قرأ جعفرُ من أوَّل سورة طه إلى قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]، فانحدَرت دموعُهم ممَّا عرفوا من الحقِّ، فذلك قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، يعنون: محمدًا وأمته (¬٤).