فبكوا، وصدَّقوا، فنزلَ فيهم قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ يعني: المهاجرين والأنصار (¬١).
وقال سعيدُ بنُ جُبير: بعثَ النَّجاشيُّ وفدًا (¬٢) من أصحابِه، فقرأ عليهم رسولُ اللَّه ﷺ القرآن، فأقرُّوا وأسلموا، وفيهم نزلَ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ثمَّ رجعوا إلى النَّجاشيِّ فأسلم (¬٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا التأويلُ لا يصح؛ لأنَّه يَصيرُ حاصلُ الكلام أنَّ المؤمنَ أقربُ مودَّة للمؤمنين مِن الكفَّار، وذلك كلامٌ لا يُفيد معنًى (¬٤)، لكنَّه على كلِّ اليهود، وكلِّ (¬٥) النَّصارى، وقد مرَّ بيانُ حالِ كلِّ واحدٍ مِن الفريقين في الأصل.
أو على أهل عصر النَّبيِّ ﷺ، وكان يهودُ قريظةَ والنَّضير يُعلنون العداوةَ، ويُظاهِرون المشركين على قتال النَّبي ﷺ، حتَّى قاتلَهم رسول اللَّه ﷺ وأجلاهم، ويهودُ المدينة بايعوا أهلَ مكَّة على قتال رسول اللَّه ﷺ، ولم يذكر من النصارى شيء من ذلك، فلذلك كانوا كذلك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان رسولُ اللَّه ﷺ بمكَّة، فخاف على أصحابِه مِن المشركين، فبعث جعفرَ بنَ أبي طالب، وعثمانَ بن مظعون، وابنَ مسعودٍ في رهْطٍ مِن أصحابِه إلى النَّجاشيِّ ملك الحبشة، فلمَّا بلغَ ذلك المشركين،