تأخَّرَ عن عصرِكم، وتُحذَفُ هاءُ الكنايةِ في الموصول، يقال: مَن أكرمت أبوك؛ أي: مَن أكرمتَهُ.
وقال مجاهد: أي: ومَنْ بَلَغَه مِن الأعاجمِ وغيرِهم (¬١).
وقال مقاتل: ومَنْ بلَغَهُ مِن الجِنِّ والإنس (¬٢).
وقال سعيدُ بن جبير: ومن بلغَهُ القرآن، فكأنَّما رأى النَّبيَّ ﵊ (¬٣)، وهو في حقِّ كلِّ الخلقِ إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ هذا إلى آخرِ هذه الآيةِ متَّصلٌ بما قبله، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ هذا معترِضٌ.
قوله ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ استفهام بمعنى التوبيخ، وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾؛ أي: إنَّكم إنْ شهِدتُم بذلك، فإنِّي لا أشهدُ به.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ معناه: سلهم: أتَشهَدون بهذا، فإنَّ مِن العجيب أنْ يَشهدوا بهذا بعد وضوحِ البيان، فإنْ لَجُّوا وشَهِدوا فقل: لا أشهدُ معكم، وحُذفَ هذا لدلالة الكلامِ عليه، وقد بيَّنهُ في موضعٍ آخر، فقال: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾، وهذه الشَّهادةُ مِن اللَّه بإقامة الدلالاتِ ونصبِ المعجزات كما بينا ذلك في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآيةِ دلالة على أنَّ البِشارةَ والنِّذارةِ يكونان ببعثِ آخرَ يُبشِّرُ ويُنذِر، وهو دليلٌ لقول أصحابنا ﵏: إنَّ مَن حلف: أيُّ عبدٍ مِن عبيدي بشَّرني بكذا، فهو حرٌّ، فبشَّرهُ برسولٍ أو بكتابٍ، عَتَق.