لَكَاذِبُونَ﴾ أنَّ المؤمنَ إذا قال: لا أُذنب ثمَّ أذنبَ، ظهر أنَّه كاذب في قوله الأوَّل، وقالوا في قوله: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]: إنَّهنَّ إذا سرقنَ، أو زَنينَ، ظهرنَ أنَّهنَّ بايعن على الكذب، فلم يكن إيمانًا ولا بيعةً، وقالوا: لمَّا عَلِم اللَّهُ تعالى من هؤلاء ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ سمَّاهم بذلك كاذبين للحال، ثبتَ ما قلنا، لكنَّا نقول: ليس كذلك، بل الكذِبُ: هو الإخبارُ عن الشَّيء على خلافِ ما هو به، وإذا كان اعتقادُ المخبر على ما يخبِرُ به، لم يكن على خلافه، فأمَّا الآيةُ فلها وجوهٌ:
أحدها: أنَّهم أضمروا بخلافِ ما أظهروا، وهو كقوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
والثاني: أنَّ معناه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: ليَكذبون في العاقبةِ، ويُخالِفون ما قالوا، كما يُقول: إنَّه فاعل كذا غدًا.
والثالث: أنَّه سمَّاهم كاذِبين بكذبِهم القديم، كما سَمى أهلَ النَّارِ كفَّارًا بكفرِهم القديم (¬١).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ غدًا تُهْتَك (¬٢) الأستارُ، وتَظهرُ الأسرار، فكم مِن متجلِّلٍ بثوبِ تقواهُ، حكمَ له معارِفُه أنَّه زاهد في دنياهُ، راغبٌ في عقباهُ، مُحِبٌّ لمولاه، مفارِقٌ لهواه؟ يُكشَفُ الأمرُ عن (¬٣) خلافِ ما توهَّموهُ، وافتُضِحَ عندهم بغير ما ظنُّوه، وكم مِن متهتِّكٍ، سُتِرَ بما أُظهِر عليه، ظنَّ الكُلُّ أنَّه خليعُ العِذار،