العاص، فقالوا له: إنَّا نستحي أنْ نقتلَ محمَّدًا بعد موتِك (¬١)، فتقولَ العربُ: كان أبو طالبٍ يَمنعُه، وأنت كبيرُنا وسيِّدُنا، وإنَّ محمَّدًا قد آذانا وآذى آلهتَنا، فادْعُه حتَّى يدَعَنا وآلهتَنا، وندعَهُ وإلهَهُ، فدعاهُ، فقال له: إنَّ هؤلاء قومُك وبنو عمِّك، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ: "ما تريدون؟ " قالوا: نَدَعُكَ وإلهَكَ، وتَدَعُنا وآلهتنا، فقال أبو طالب: لقد (¬٢) أنصفَكَ قومُك، فقال لهم رسولُ اللَّه ﷺ: "هل تعطوني كلمةً إنْ تكلَّمتُم بها ملَكتُم العربَ، ودانت لكم العجم"، قال أبو جهل: نُعطيكَها وعشرةَ أمثالِها، قال رسول اللَّه ﷺ: "قولوا: لا إله إلا اللَّه"، فأبوا، فقال أبو طالب: فهل غيرُها، فإنَّ القومَ قد فزِعوا منها؟، فقال: "لا أريدُ غيرَها"، فقالوا: لتَكفَّنَّ عن شتمِ آلهتِنا، أو لنَشتُمَنَّكَ ونَشتمَ مَن يَأمرك به، فذلك قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (¬٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كيف نهانا عن سَبِّ مَن يَستحِقُّ السَّبَّ؛ مخافة سبِّ (¬٤) مَن لا يَستحِقُّه، وقد أُمِرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهُم قتلونا، وقتلُ المؤمنِ بغير حقٍّ منكرٌ، وكذا أمرَ النَّبيَّ ﷺ تبليغَ الوحيِ والتلاوةَ عليهم، وإن كانوا يُكذِّبونَه؟!
قيل: إنَّ السَّبَّ لأولئكَ مباحٌ غيرُ مفروض، وقتالُهم فرضٌ، وكذا التَّبليغُ، وما كان مباحًا فإنَّه يُنهَى عما يَتولَّدُ مِنه وَيحدثُ، وما كان فَرضًا لا يُنهى عن المتولِّدِ منه. وعلى هذا يَقعُ الفرقُ لأبي حنيفة ﵀ في مَن قطعَ يدَ قاطعِ يدِه