فلما رأى معاويةُ طولَ مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوَّثون من البلاء الذي أصابهم، شقَّ عليه ذلك، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهم ضيفي نازلون (¬١) عليَّ، واللَّهِ ما أدري كيف أصنعُ؟ وإني لأستحيي أن آمُرَهم بالخروج إلى ما بُعثوا له، وشكا إلى قَيْنتيه فقالتا له: قل شعرًا نغنِّيهِم به ولا يدرون مَن قاله، لعل ذلك أن يحرِّكهم، فقال معاوية بن بكر في ذلك أبياتًا غنَّتهم (¬٢) بها الجرادتان، فلما سمع القوم ما غنَّتا به قال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قومكم يتغوَّثون بكم من هذا البلاء، وقد أبطأتم عليهم، فقال قَيلٌ سيدهم: الخمر عليه حرام حتى يذهب فيستَسقيَ لقومه (¬٣).
فقال مرثد بن سعد بن عُفير (¬٤): إنكم واللَّه لا تُسقون بدعائكم، ولكنكم إنْ أطعتُم نبيَّكم وأَنَبتم إليه سُقيتم، وأظهر إسلامه عند ذلك، فقال له جلهمةُ: إنك من قَبيلِ عادٍ، وأمُّك (¬٥) من ثمودَ، فكيف تأمرنا أن نترك دينًا هو دين آبائنا ودين آبائك؟! ثم قالوا لمعاوية بن بكر: احْبِسْ عنا مرثدَ بن سعد لا يَقْدَمن مكة معنا، فإنه قد اتَّبع دين هود، فخرجوا دونه.