والدليل على أنه ليس لنفي جوازِ الرؤية بل هو نفيُ طاقة موسى ما ذُكر بعده، وهو قوله تعالى:
﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾: علَّق الرؤيةَ باستقرار الجبل، وهو أمرٌ متصوَّرٌ، فدل على تصوُّر ما عُلِّق به.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: أي: ظهَر، يقال: جَلَوْتُ الشيء جلاءً وجلَّيْتُه تجليةً؛ أي: أظهرتُه، فانجلَى وتجلَّى؛ أي: ظهر، والمراد به -واللَّهُ تعالى أعلمُ-: أعطَى الجبل رؤيتَه وجعَل له حياةً وعلمًا علِم به أنه رآه، وهو دليل آخر على أن اللَّه ﷿ جائزُ الرؤية.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قرأ أهل المدينة وأبو عمرٍو: ﴿دَكًّا﴾ منوَّنًا غيرَ ممدودٍ هاهنا وكذا في سورة الكهف، ومعناه: مدكوكًا؛ أي: مدقوقًا، مصدر بمعنى المفعول.
وقرأ عاصم كذلك هاهنا، وقرأ الذي في سورة الكهف ممدودًا بلا تنوين.
والباقون قرؤوهما ممدودًا بلا تنوينٍ (¬١)، وهو تأنيثُ الأدكِّ، يقال: ناقةٌ دكَّاءُ: إذا ذهب سنامُها؛ أي: جعَلها مستويةً بالأرض لا أكَمةَ فيها.
وقال الحسن وسفيان وأبو بكر الهذلي: ساخ في الأرض (¬٢).