فلمَّا كانت سنة عشرٍ أَذِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه في الحج، فحجَّ رسول اللَّه ﷺ حجةَ الوداع، فوقف بعرفة وقال: "يأيها الناس، إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلق اللَّه السماوات والأرض، فلا شهر يُنسأ، ولا عِدَّة تُخطأ، وإن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة" (¬١).
وقال الإمام القشيري ﵀: قولُه ﷻ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ لمَّا علِم أنهم لا يداوِمون على ملازَمة القُرَب أفرد بعضَ الشهور بالتفضيل ليخصُّوها باستكثار الطاعات فيها، فأما الخواصُّ من عباده فجميعُ الشهور لهم شهرُ رمضان، وجميع الأيام لهم جمعةٌ، وجميع البقاع لهم مكةُ، وأنشدوا في معناه:
ياربِّ إن جهادي غيرُ منقطِعٍ... فكلُّ أرضِك لي ثَغْرٌ وطرسوسُ
وقال في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: أمَر العوامَّ ألَّا يَظلموا قلوبهم في جميع (¬٢) الشهور بارتكاب الزَّلَّة، وأَمر الخواصَّ أن يَظلموا قلوبهم في جميع الشهور باحتقاب (¬٣) الغفلة، فظُلم النفس أن يَجعل العبد زمامَه بيد شهواته فتُورده (¬٤) موارد الهلكات، وظلمُ (¬٥) القلب أن يلاحِظ الخلقَ فيَحرمَه أُنسَ المشاهَدات، ومَن ظلم نفسه بارتكاب المحظورات ابتُلي بالفترة في الطاعات، ومَن ظلم قلبه بالمساكَنات امتُحن بعدم الصَّفوة في مرور الأوقات.