وهو الذي حارب اللَّه ورسوله من قبلُ؛ أي: من قبلِ بناء هذا المسجد، يعني: يوم الخندق.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾: أي: لم نقصد به إلا الرِّفقَ بالضعفاء والتسهيلَ في الشتاء.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: في قولهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾.
وهذا المعروف بالراهب سماه النبيُّ ﷺ: الفاسقَ، وكان ترهَّبَ في الجاهلية ولبس المُسوح، فلما قدم النبيُّ ﷺ المدينةَ قال للنبيِّ ﵇: ما هذا الذي جئتَ به؟ قال: "جئتُ بالحنيفيةِ دينِ إبراهيم"، قال أبو عامر: فأنا عليها، قال النبيُّ ﷺ: "إنك لستَ عليها" قال: بلى، ولكنكَ أدخلتَ في الحنيفيّة ما ليس منها، فقال النبيُّ ﷺ: "ما فعلتُ، ولكني جئتُ بها بيضاءَ نقيةً"، فقال أبو عامر: أماتَ اللَّه الكاذب طريدًا وحيدًا.
فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين: أنِ استعدُّوا بما استطعتم من قوةٍ وسلاح، وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهبٌ إلى قيصر فآتي بجندٍ تُخرج محمدًا وأصحابَه، فمات الفاسق بالشام طريدًا وحيدًا كما دعا، وابنه حنظلةُ غسيل الملائكة فاستُشهد يوم أحد.
وقال الحسن: لمَّا التمس هؤلاء من النبيِّ ﷺ أن يأتي مسجدهم فيصليَ فيه، فجعل ينتظر الوحي، فجعل لا يأتيهم وأولئك لا يأتونه يفعلون بالصلاة في مسجدهم، فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليلبسَه ويأتيَهم، فبينا هو يَزرُّه (¬١) عليه إذا بجبريلَ نزل وأنزل قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (¬٢).
* * *