وقيل: هو أنْ لا يُلمَّ في حال شبابِه بزلَّة، ولا يتَّصفَ في حال مشيبه عن اللَّه بغفلة.
وقيل: هو أنْ يكون راضيًا بما يجري عليه في حالَتَي العسر واليسر.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾: هو أنْ يَسترَ عليه فضلَه حتَّى لا يلاحِظَ حالَه ومقامَه، بل ينظر إلى نفسه وإلى ما هو منه وله بعين الاستحقار والاستصغار.
وقيل: هو أنْ يرقِّيه عن التَّعريج في أوطان البشريَّة إلى مناجاة شهود الأحديَّة، فيُنقَّى (¬١) عن شُحِّ البشريَّة، والتَّكدُّر بما يبدو مِن مفاجأت التَّقدير.
وقال في قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: تنقطع الدَّعاوى عند الرُّجوع إلى اللَّه تعالى، وتَنتَفي الظُّنون، ويحصل اليأسُ مِن غير اللَّه تعالى، ويبقى العبد بنعتِ الاضطرار في وصف الانتظار (¬٢).
* * *
(٥) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: أخبر عن معاداة المشركين للنَّبيِّ ﷺ وجهلِهم باللَّهِ في ظنِّهم أنَّهم يَسْتَخْفون منه، فقال: ﴿أَلَا﴾؛ أي: تنبَّهوا على أحوال المشركين، وقِفوا على جهلِهم، فإنَّهم يُسرُّون العداوة في قلوبِهم، وهو كقولهم: طَوَى كَشْحَهُ.
ووجهُ ذلك: أنَّ مَن ثنَى الشَّيء -أي: عطَفَه وطواه- خفيَ في أثنائه ما يقع فيه، وخفيَ باطن الشَّيء المطويِّ، فجعلَه مثلًا لإضمار العداوة في الصَّدر.