وفي هذه الرِّواية: أنَّهم كانوا أخذوا ذئبًا فأحضروه، فقالوا: هذا الذِّئب، فقال للذِّئب: لِمَ أكلْتَ ولدي؟ فتكلَّم الذِّئبُ وقال: إنَّا لا ندورُ حولَ غنمِك، فكيفُ نأكلُ ولدَك؟! قال: فهل هو في الأحياء؟ قال: نعم، قال: أين هو؟ قال: سَلْ جبريلَ، قال: إنَّه لا يخبرني، قال: وإذا لم يخبرْكَ هو فكيفَ أخبرُكَ؟ وقال لأولاده: أسمعْتُم؟ قالوا: تصدِّق ذئبًا وتكذِّبنا ونحن عشرةٌ! فقال: جيئوا (¬١) بشيءٍ يدلُّ على ذلك ويكون لي تذكرةً عنه، فذهبوا وعادوا عشاءً وقد حملوا قميصَه ملطَّخًا بدم شاةٍ، فأخذَه ونظرَ فيه، فإذا هو صحيح لم يُخرَقْ، فقال: هل كان يوسفُ في هذا القميصِ؟ قالوا: نعم، قال: كيف وصلَ إليه ولم يُخْرَقْ هذا؟ فخجلوا، فقال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، ثمَّ توجَّه إلى الوادي وهو يقول: يا ولدي وقرَّةَ عيني وثمرةَ فؤادي؛ في أيِّ جُبٍّ طرحوك؟ في أيِّ بحرٍ غرَّقوك؟ بأيِّ سيفٍ قتلوك؟ بأيِّ أرضٍ دفنوك؟ فبكى لبكائِه الملائكةُ، فأتاه جبريل وقال: قد أبكيْتَ (¬٢) ببكائِكَ الملائكةَ، فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
وفي "كتاب عصمة الأنبياء" قال: أضافَ (¬٣) فعلَهم إلى تسويلِ أنفسِهم، ولم يصرِّحْ بالفعلِ عنهم، فلم يقلْ: فعلْتُم ما فعلْتُم وأنتم ظالمون، بل قال: ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ وعقودُكُم للإيمان خاليةٌ عن قَبول تسويل أنفسكم ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾؛ أي: يسهُلُ لي الصَّبرُ إذا تأمَّلْتُ فعلَكم أنَّكم لم تكابروني (¬٤) معتقدين إيذائي، فيخفُّ عليَّ تحمُّلُ أذاكم، فأصبرُ صبرًا جميلًا، وهو الَّذي لا جزعَ فيه.