وقد فعل ذلك عند الصدمةِ الأولى، ووفَّى حقَّ الصَّبر؛ إذ لوعةُ المصيبةِ عند حدوثها أشدُّ، فإذنْ لم يخالفْ وعدَه بالصَّبر الجميل؛ إذ لم يجزعْ للحالِ، وجزعُه مِن بعدِ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] لا ندري لماذا كان، فلا يزولُ به الصَّبرُ، على أنَّ الجزعَ لا يزيلُ الصَّبرَ (¬١)؛ قال النَّبيُّ ﷺ في وفاة إبراهيمَ ولدِه: "إنَّ القلبَ يجزَعُ، والعينَ تدمعُ، ولا نقول ما يسخِطُ الرَّبَّ" (¬٢)؛ أبانَ أنَّ صفةَ الإنسانِ هي الضَّعفُ والعجزُ (¬٣)، قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
ولأنَّ جزعَه كان لفواتِ تلك اللَّطائفِ الَّتي كان اختُصَّ بها يوسفُ، فكانَت تؤثِّر في سرِّ يعقوبَ ﵇ (¬٤)، وهي كانت ربَّانية، والعبدُ فيما يفوتُه مِن نحو هذا إذا جزعَ بما يُعمِي بصرَه ويذوِّب جسمَه كان ممدوحًا معلًّى (¬٥) قدرُه.
على أنَّ جزعَه إنْ جُعِلَ على فراقِ يوسفَ على ما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ وحُمِلَ على ظاهرِه لم يبعدْ مِنَ الحكمةِ، والأشباحُ لها حرمةٌ في ذاتِ اللَّه تعالى ردًّا على المعتزلة، فإذا جزعَ لفقدِ جسدٍ أَجَلَّ اللَّهُ قدرَهُ؛ فقد أَجَلَّ ما أجلَّهُ اللَّهُ ﷿، فلم يكن جزعُه كجزعِ الغافلينِ لفقدِ الولدِ بحقِّ الميلِ إليهم نهمةً ورغبةً في حظوظهم منهم.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وفي الآية دلائل: