أحدها: أنَّ مَن ارتكبَ صغيرةً فإنَّه يُخافُ عليه التَّعذيبُ ولا يصيرُ كافرًا، ومَن ارتكبَ كبيرةً لم يخرجْ من الإيمان؛ لأنَّ إخوةَ يوسفَ همُّوا بقتلِه (¬١) أو طرحِه في الجُبِّ، والتَّغييبِ عن وجه أبيه وإخلائه (¬٢) عنه، وذلك لا يخلو منهم: إمَّا أن تكون صغيرةً أو كبيرةً؛ فإنْ كانت صغيرةً فقد استغفروا عليها بقولهم: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [يوسف: ٩٧]، دلَّ أنَّهم إنَّما استغفروا لِمَا خافوا من (¬٣) العذابِ عليها وإنْ كانت كبيرةً، فلم يخرجوا عن الإيمان حيث صاروا (¬٤) أنبياءَ مِن بعدُ، وصاروا قومًا صالحين.
دلَّ ما ذكرنا على نقض قولِ المعتزلة في صاحب الصَّغيرة: إنَّه لا يعذَّبُ عليها، وصاحبِ الكبيرة: إنَّه يخرجُ من الإيمان، ونقضِ الخوارج في قولهم: إنَّه إذا ارتكب كبيرةً أو صغيرةً صار به كافرًا مشركًا باللَّه (¬٥)، ونقضِ قولِ مَن يقول: إنَّ مَن كذَبَ متعمِّدًا أو وعَدَ فأَخلفَ أو اؤتمنَ فخانَ يصير منافقًا؛ لأنَّ إخوةَ يوسفَ ائتُمِنوا فخانوا، ووَعدوا فأَخلفوا، وحدَّثوا فكذَبوا، فلم يصيروا منافقين لأنَّهم قالوا: أكلَه الذِّئبُ، وما أكلَه، وهو (¬٦) كذبٌ، واؤتمنوا فخانوا حين ألقوه في الجبِّ، ووَعدوا أنَّهم يحفظونَه فلم يحفظوه.
فإن قيل: رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ثلاثٌ مِن علاماتِ النِّفاقِ: إذا حدَّثَ