وقول النَّبيِّ ﷺ: "رحمَ اللَّهُ أخي يوسف، لو كنْتُ أنا مكانَه لبادرْتُ البابَ" (¬١)؛ أي: ما كنْتُ منتظرًا للعُذْرِ، بل كنْتُ أرى الإدخال والإخراج مِن اللَّهِ ﷻ، فتكلَّم عن مقامِه مِن الفراغِ عن الأفكار (¬٢) في المخلوقين مدحًا منهم وذمًّا، وإنْ كان ليوسف بهذا المقام، لكنَّ مقامَ رسول اللَّه ﷺ كان أعلى وأكمل، فليس هذا منه عيبًا على يوسف، وإنَّما هو إبانةٌ لمقدار وسعِه (¬٣) ﵇ في التَّسليم للحكم.
والثَّاني: أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه أحبَّ ظهورَ براءتِه ونظافتِه؛ ليكونَ زوجُ المرأة ملاحظًا له بعين الإجلال، لا بعين الاستقلال، كالمسجون من جهة إنسانٍ يخرجُه السُّلطان لحاجته إليه وخصمُه كارهٌ لخروجه، فالخارج من السِّجن يكون قلبُه منقسمًا وخاطره متوزِّعًا ممَّا يتفكَّرُ مِن استثقال خصمِه وكراهته لخروجِه، واحتيالِه ثانيًا لإعادته إلى السِّجن إذ أُخْرِجَ بغير رضاه، فأرادَ أن يكون خاطرُه لإقامة ما يُفوَّض إليه من الأمانة مِن غير تشويشٍ يقعُ في فكرتِه.
ولأنَّه كان كريمًا ابنَ الكرام فكان لا ينكِرُ (¬٤) صنائعَ زوجِ المرأة، فأحبَّ أنْ يصفوَ قلبُه إذا خامرَهُ شيءٌ من مقالات امرأتِه بظهور صفوتِه مشاهدةً، وهذا في المروءة والأمانة (¬٥) مندوبٌ إليه.
وما قالَهُ الرَّسول ﵇ فهو مِن أعلى درجات العبوديَّة، وأشرفِ مقامات الاكتفاء باللَّه تعالى بإرضاء عباده عنه من غير تكلُّفٍ، وكلٌّ جرى على ما كُشِفَ له.