فلما أوضح موسى ﵇ عمَّا أراد، ترَك مساءلة موسى إذ لم يتهيَّأ له أن يدفع ظهور آثار الصنعة مما ذكر، فاشتغل بتوعُّده بالحبس: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: أي: لأسجُنَنَّك مع مَن سجَنْتُهم لسعيهم في فساد مملكتي وتفريقِ شمل رعيتي.
وقيل: لمَّا قال موسى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سأل فرعون عن مقدار مُلك مَن أرسله على ما يُسأل (¬١) مثله من الملوك إذا وردت رسلهم، فيقول هذا: ما ملكُ (¬٢) صاحبك؟ أي: ما مقدار ملكه وسلطانه؟ فقال موسى صلوات اللَّه عليه: هو ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، فعجَّب جلساءه من جوابه وقال لهم: ألا تستمِعون ما يقول موسى من سَعة ملك مَن أرسله (¬٣)؟ أي: متى يكون هذا؟ فأوضح موسى ذلك وقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وكان في هذا تضليلُ هؤلاء الذين يعبدون مِن دون اللَّه، فكان هذا أشنعَ من الأول عندهم، وأبعدَ من وفاق فرعون فيما يدَّعي من الربوبية، فقال: هو مجنون إذ يزعم (¬٤) أن له إلهًا غيري، فيزداد موسى ﵇ في بيانه فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فاعقِلوا وميِّزوا بين مَن يملك الدنيا كلَّها من شرقها إلى غربها وبين مَن لا يعدو ملكُه حدود مصر، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾؛ أي: أصرَرْتَ على عبادة هذا لأجعلنك من أهل السجون، وكان إذا سجن أحدًا لم يخرجه من سجنه حتى يموت فيه (¬٥)؛ قطعًا لإفساده.
* * *