أي: بَطِروا وأساؤوا السيرةَ، وجهلوا قَدْر النعمة والعافية (¬١)، وسألوا اللَّه تعالى أن يبعِّد أسفارهم.
روي أنهم قالوا: ليت أن أسفارنا تباعَدَت، فكنَّا نركب البحار ونحملُ معنا الأزواد ونقطع المفاوِز متنزِّهين، ولزيادة الأموال بالتجارة متكسِّبين، وهذا كجهل قوم موسى في قولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، وسؤالِهم ما سألوا.
وإلى هاهنا على قول بعضهم بيانُ أولِ أحوالهم: أنه كان لهم جنتان، وكانت منازلهم إلى الشام في الأسفار متقاربةً متيسِّرةً، فملُّو ذلك وسألوا تباعُدَ الأسفار، فبدَّلهم اللَّه بجنتَيهم جنَّتين، وأيبس بلادهم وغوَّر مياههم وأهلك أموالَهم، وفرَّقهم في البلاد، وبعَّد أسفارهم، وذلك قوله:
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بخَسوها حظوظَها من النعمة والعافية والدَّعَة ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يتحدَّث الناس بعدهم بما جرى عليهم فيتمثَّلون به، فيقولون: تفرَّقوا أيدي سَبَا، و: أيادي سَبَا (¬٢)، قال الشاعر:
من صادرٍ وواردٍ أيدي سَبَا (¬٣)