وقال وهْبٌ: فلمَّا أراد إبراهيم أنْ يذهبَ بإسماعيل ﵇ إلى المَنْحَر قال لهاجر: ألبِسي إسماعيلَ أحسنَ ثيابه، فإنِّي ذاهبٌ به إلى ضيافة، فألبَسَتْه ودهَنَتْه، وحمَل معه حبلًا وسكِّينًا، ولم يكن إبليس مِن يوم خلَقه اللَّهُ أشغلَ ولا أكثرَ تَردادًا (¬١) منه في ذلك اليوم، فكان إسماعيل يعدو أمام أبيه ويلعب، فجعل إبليسُ لعنه اللَّه يقول لإبراهيم: ألا ترى إلى قوامه وشهامته وحُسْنه، فيقول إبراهيم: أُمرْتُ بذبحه، فلمَّا أيِسَ مِن جانبه أتى هاجر فقال: ذهب إبراهيم بابنكِ لِيذبحَه، فقالت: ولِمَ يذبحه؟ قال: يقولُ: أمرني بذلك ربِّي، قالت: فمَن أنا حتى أحكمَ على ربي؟ فلما أيِسَ مِن جانبها أتى إسماعيل فقال له: إنكَ تنزو وتلعب، ومع أبيك حبلٌ وسكِّينٌ يريد ذبحك، قال: ولِمَ؟ قال: يزعم أنَّ ربَّه أمره بذلك، قال: فإني لا أريد خِلاف ربي، فلما انتهى به إلى منًى قال له: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (¬٢).
قال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دلالةٌ أنَّه لا كلُّ مأمورٍ بأمر مِن اللَّه شاء اللَّه أنْ يفعل ما أمره به، حيث أخبره أنَّه سيجده مِن الصَّابرين إن شاء اللَّه، وقد كان إبراهيم مأمورًا بذبح ولده، فإذا أُمِرَ هو بالذَّبح أُمِرَ الولدُ أنْ يصبر عليه، ثم أخبر أنَّه سيصبر عليه إن شاء اللَّه، فدلَّ على ما ذكَرْنا، وهو حُجَّة لنا على المعتزلة خذلهم اللَّه (¬٣).