وقال (¬١) الإمام أبو منصور ﵀: فإنْ قيل: ما الحكمةُ في ذِكْر زلَّات الرسل، واللَّهُ تعالى وصَفَ نفْسَه بأنه غفور؛ أي: ستورٌ، وقد أمرَنا بالسَّتر على مَن ارتكب (¬٢) ذنبًا، فكيف ذكَرَ هو زلَّات أنبيائه حتى تُقرأَ زلَّاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم القيامة؟
قلنا: لذلك وجوه:
أحدُها: أنْ تكون آيةً لرسالته؛ لأنَّ قلوب الخلق لا تحتمِلُ ذِكْرَ مساوئ الآباء والأجداد، وذِكْرَ مساوئ أنفسهم، فإذا ذكرَ رسولُ اللَّه ﷺ ذلك، دلَّ على أنه عن أمرٍ مِن اللَّه يذكُرُ ذلك.
والثاني: ذكَرَ زلَّاتهم امتحانًا منه عبادَه بأنْ (¬٣) كيف يُعاملون رسلهم بعدما عرَفوا منهم الزلَّات؟ وكيف ينظُرون إليهم بعين الرَّأفة والرحمة؟ يمتحِنُهم بذلك على ما امتحنَهم بسائر أنواع المِحَن.
والثالث: لِيَعلمَ الخَلْقُ أنَّ الرسل كيف عاملوا ربهم عند زلاتهم، فيُعاملون هم ربَّهم عند ذنوبهم كذلك مِن البُكاء والتضرُّع والفزَع إلى اللَّه والتوبة.
والرابع: أنْ يكون ذكَرَها لِيُعلمَ أنَّ ارتكاب الصغائر لا يُزيل الولاية، ولا يُخرِجُ مِن الإيمان؛ ردًّا على الخوارج.