وتكذيبِ رسله، والصدِّ عن دينه، وقَتْلِ المؤمنين ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يحمِلنَّكم إسرافُكم على أنفسكم على أنْ تظنُّوا أنَّ رحمة اللَّه تَضيق عنكم، حتى لو تُبْتُم لم تُقبل توبتكم، ولم يزُلِ الوعيد عنكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾؛ أي: يسترُها كلَّها على العباد إذا تابوا منها كفرًا كان أو ما دونه، فرحمتُه واسعةٌ، فلا تقنطوا منها.
وقال ابن عباس ﵄: دعا اللَّهُ تعالى إلى مغفرته مَن قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ومَن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، ومَن قال: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ومَن قال: الملائكة بنات اللَّه، بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وبقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية (¬١).
وقال مقاتل: يعني: الذين أسرفوا بالدماء والأموال، وذلك هُمُ المشركون ظنوا أنْ لا يُتابَ عليهم، منهم: وَحْشِيٌّ قاتلُ حمزة، وذلك أنَّ اللَّه أنزل فيه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، فأسلم وَحْشِي، فقال المشركون: قُبِلت توبته، وأُنزِلت فيه آية، ولم ينزل فينا شيء، فأنزل اللَّه هذه الآية (¬٢).
وقال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ أناسًا أصابوا ذنوبًا عِظامًا في الجاهلية، وظنوا (¬٣) أنهم مأخوذون بها لا توبةَ لهم فيها، فأنزل اللَّه هذه الآية (¬٤).