وذكَرَ محمد بن إسحاق له قصةً عجيبةً في هذا، ونحن كتَبْنا تمامَ القصة في بعض تصانيفِنا، وفيها: أنه مِن الخمسة الذين ملَكوا الدنيا كلَّها، وأنه خرجَ إلى مكَّةَ في مئةِ ألفٍ وثلاثةٍ وثلاثين ألفًا مِن الفُرْسان، ومئةِ ألفٍ وثلاثةَ عشرَ ألفًا مِن الرَّجَّالة، واجتمَعَ عنده أربعةُ آلافِ رجلٍ مِن الحكماء، وأتى يَثْرِبَ وهي يومئذ بُقْعةٌ فيها عينُ ماءٍ ليس بها بُنْيانٌ، وقعَدَ منهم أربعُ مئةِ حكيمٍ في هذا المكان، وقالوا: إنه مكانُ نبيِّ آخرِ الزمان، وإنه يخرُجُ عن قريب، فلا نبرَحُ منها إلى أنْ يخرُجَ فنلقاه، فبنى الملِكُ لهم أربعَ مئةِ دارٍ لسُكْناهم، وزوَّجَهم، وهيَّأَ أسبابَهم، وكتَبَ كتابًا وختَمَه بالذهب، وأمرَهم أنْ يُبَلِّغوه إلى رسول اللَّه ﷺ إذا خرَجَ، ذُكِرَ فيه: أنه آمنَ به، والتمَسَ فيه شفاعتَه له يوم القيامة، وكان مِن ذلك اليومِ إلى أنْ خرَجَ النبي ﵊ ألفُ سنةٍ، وبلَّغه كتابَه الأنصارُ، وهم مِن نوافل أولئك، فقال ﵊: "مرحبًا بالأخ الصالح" ثلاثَ مرَّاتٍ، وكانت دارُ أبي أيوب الأنصاريِّ ﵁ التي نزَلَ بها رسولُ اللَّه ﷺ مِن خِطَّة أولئك (¬١).
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: أي: عابِثين لغير شيء.
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: قيل: أي: بأمرٍ هو حَقٌّ.
وقيل: أي: للحقِّ، وهو ما يتصرَّفُ في عباده، فهو حقٌّ.