إنَّا نخشى عليكَ منهم، وإنَّا نريدُ رجلًا له عشيرةٌ يمنعونه، فقال: دَعُوني، فإنَّ اللَّهَ سيمنعُني، ثم قام عند المقام، فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رافِعًا بها صوتَه وقريشٌ في أَنْدِيَتِها، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، فتأمَّلوا وقالوا: ما يقولُ ابنُ أُمِّ عبدٍ؟ ثم قاموا إليه، فجعَلوا يضربونه وهو يقرأُ حتى بلَغَ منها إلى ما شاءَ اللَّهُ تعالى، ثم انصرَفَ إلى أصحابه وقد أثَّروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خَشِينا عليكَ (¬١).
* * *
(١ - ٤) - ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾: قد ذكَرْنا الأقاويلَ في تفسيرِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ في أوَّلِ هذا الكتاب.
﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: أي: محمدًا، وقيل: هذه الأُمَّةَ.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: أي: آدمَ، وقيل: جِنْسَ الإنسِ.
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: أي: الكلامَ الذي يَتبَيَّنُ به ما في قلبه، وما يحتاجُ إليه مِن أُمورِ دُنْياه ودِينه، ويدخُلُ في البيان: الكتابةُ، والإشارةُ، وما يقَعُ به الدِّلالةُ، وهو امتنانٌ منه على العباد بتعليم اللُّغاتِ المُخْتَلِفَة، ووجوهِ الكلامِ المُتَفَرِّقَة.
وقيل: ﴿الْبَيَانَ﴾: إخراجُ شيءٍ عن حيِّزِ الإشْكال (¬٢) إلى حَيِّزِ التَّجَلِّي.