والثاني (¬١): أنَّه جائزٌ أخذُ الأخيار ومعاتبةُ الكبار بالأمر الخفيف اليسير الذي لا يُؤخذ (¬٢) بمثله غيرُه؛ لكثرة نِعَمِ اللَّهِ تعالى عليهم وعظيمِ منَّته عندهم، كما أُوعدوا بتضاعُف العذاب على ما كان لغيرهم، وهو كحالِ يونسَ النبيِّ ﷺ؛ فارق قومَه لِمَا عاين (¬٣) مِن المناكير فيهم، وفعلُه مِن غيره أَحمدُ ما يوصَف به.
وكذلك عُوتب نبيُّنا محمدٌ ﷺ بما خطر بباله مِن تقريب رؤساء الكفرة إشفاقًا عليهم وحرصًا على إسلامهم، ويُعدُّ ذلك مِن غيره مِن خصال الخير.
والثالث: أنَّه إنَّما عُوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به ولمثْلِه خلَقه، حيث قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [البقرة: ٣٠] لكنَّه بكرمه عوَّد خَلْقه تقديمَ إحسانه وإيلائه (¬٤) على محنته وبلائه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
ثم في ذلك أبلغُ زجرٍ لغيره، وفيه تعظيمُ خَطَر الذنوب في القلوب، فإنَّ أبا البشر، والمخصوصَ بالخلافة وسجودِ الملائكة، والمخصَّصَ بالعلم، عُوتب بهذا القَدْر مِن الزَّلَّة؛ ليَعلَمَ [الخلقُ] أنَّه ليس في أمر اللَّه تعالى هَوادةٌ، ولا في حُكمه محاباةٌ، فيكونوا (¬٥) أبدًا على حذرٍ وخِيفةٍ، ويفزعوا (¬٦) إليه بالعصمة عمَّا يُوجب المقتَ والعقوبة.