وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ "ما" كلمةُ شرطٍ، ولذلك جُزِمَ ﴿تُقَدِّمُوا﴾، وحُذِفَ النُّونُ منه لذلك، و ﴿تَجِدُوهُ﴾ جزاؤه، وهو مجزومٌ به، وحُذِفَ نونُه لذلك؛ أي: وكلُّ شيءٍ قدَّمتموهُ إلى الآخرة مِن الخيرات؛ من الصَّلواتِ، والزَّكواتِ، وسائرِ الطَّاعات، وجدتُم ثوابَها عند اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: يرى ما عمِلتُم مِن خيرٍ أو شرٍّ، وهو وعدٌ على الطَّاعةِ، ووعيدٌ على المعصية، بأبلغ وجهٍ.
* * *
(١١١) - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؛ أي: قال يهودُ المدينة -لعنهم اللَّه-: لن (¬١) يَدخلَ الجنَّة إلَّا اليهودُ، وقال نصارى بني نَجْران: لن يدخلَها إلَّا النَّصارى، فهذا على التفصيل، ليس أنَّهم جميعًا اجتمعوا على دعوَاهم دخولَهم جميعًا فيها، وبيَّن ذلك بقولِه بعد هذا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، فظهرَ أنَّ أحدَ الفريقين لا يَشهدُ للآخرِ بالجنَّة، وإنَّما جمعَهم في أوَّل الآية؛ لأنَّهم مجتمعون على الإيمان بالتَّوراة (¬٢)، ثم ذكر عنهم قولًا، وكان لكلِّ ذلك القولِ قائلٌ منهم، على التَّفصيل، فصحَّ الإجمالُ على إرادة التَّفصيل، كما في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، اجتمعَ اللَّيلُ والنَّهارُ في كونِهما برحمتِه، ثم قال: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾