[القصص: ٧٣] فانصرفَ السُّكنى إلى اللَّيل، وابتغاءُ الفضلِ إلى النَّهار، وصحَّ هذا التفصيل مرادًا بالإجمال، فهذا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ جمعُ أمنية، والتمنِّي: التَّشهِّي؛ أي: يَتَشهَّون ذلكَ بغيرِ حجَّةٍ، والعربُ تسمِّي الكلامَ العاريَ عن الحجَّةِ: تمنِّيًا، وغرورًا، وضلالًا، وأحلامًا؛ مجازًا.
وقيل: الأماني: الأكاذيب هاهنا، وقد بيَّنَّاه في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (¬١)؛ أي: قل: يا محمد؛ أقيموا حجَّتكم على دعواكم إنْ كنتُم صادقين فيها، ولم يقل (¬٢): براهينَكم، والخطاب للجمع، ولا بُرْهَانَيْكم على التثنية، وهم فريقان؛ لأنَّ الدَّعوى كانت واحدةً، وهي نفيُ دخول غيرهم الجنَّة، والحجَّةُ على تلك الدَّعوى واحدةً.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآية على أنَّ النَّافي عليه الدَّليل، ولا يقال: إنَّهم أثبتوا الدُّخولَ لأنفسهم، فطولبوا بالبرهان عليه؛ لأنَّا نقول: ليس كذلك، بل نَفَوا دخولَ غيرهم صريحًا، وثبت دعواهم دخولَ أنفسهم دلالةً، والبرهانُ يُطْلَبُ على صريح الدَّعوى دون الدلالة، فإنَّ مَن قال: لا نكاح إلَّا بشهود؛ لا يقال له: لِمَ قلتَ: إنَّ النِّكاح يجوز بالشُّهود؟ بل يقال له: لِمَ قلت: إنَّه لا يجوزُ إلَّا بالشُّهود (¬٣)، ولذلك ردَّ اللَّه على هؤلاء نفيَ دخول غيرهم، لا دعواهم دخولَهم، حيث قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: بل يَدخلُ هؤلاء الذين أسلموا، الذين ينفون دُخولَهم (¬٤).