سبحانه لم يرد شفاءه من ذلك المرض؛ لأنه قد قضى في علمه سبحانه وقدره السابق أنه يموت بمرضه الأخير ﵊، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «الشفاء في ثلاث: شربة عسل أو شرطة محجم أو كية نار، وما أحب أن أكتوي (١) » .
ومعلوم أن كثيرا من الناس قد يعالج بهذه الثلاثة ولا يحصل له الشفاء؛ لأن الله سبحانه لم يقدر له ذلك، وهو سبحانه الحكم العدل، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وفي الصحيحين أن ركبا من الصحابة ﵃ مروا على قوم من العرب وقد لدغ سيدهم، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه، فسألوا الركب المذكور: هل فيكم راق؟ فقالوا: نعم، وشرطوا لهم جعلا على ذلك، فرقاه بعضهم بفاتحة الكتاب فشفاه الله في الحال، وقام كأنما نشط من عقال، فقال الذي رقى لأصحابه: لا نفعل شيئا في الجعل حتى نسأل النبي ﷺ وكان أصحاب اللديغ لم يضيفوهم؛ فلهذا شرطوا عليهم الجعل - فلما قدموا على النبي ﷺ أخبروه بما فعلوا، فقال: «قد أصبتم واضربوا لي معكم بسهم (٢) » ، ففي هذا الحديث الرقية بالقرآن، وقد شفى الله المريض في الحال، وصوبهم النبي ﷺ في ذلك، وهذا من الاستشفاء بالقرآن من مرض الأبدان.
وقد أخبر الله سبحانه في آية أخرى في سورة يونس أن الوحي شفاء لما في الصدور، وهي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وكون القرآن شفاء لما في الصدور لا يمنع كونه شفاء لمرض الأبدان،