وفي هذا المعنى يقول ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) وهذه الآية مثل الآية السابقة، يبين فيها سبحانه أن دعوة الرسل جميعا هي الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده جل وعلا دون كل ما سواه، ولو كان قوله لا إله إلا الله يكفي مع قطع النظر عن تخصيص الله بالعبادة والإيمان بأنه هو المستحق لها، لما امتنع الناس من ذلك، ولكن المشركين عرفوا أن قولها يبطل آلهتهم، وأن قولها يقتضي أن الله هو المعبود الحق، والمختص بذلك جل وعلا.
فلهذا أنكروها وعادوها واستكبروا عن الاستجابة لها فاتضح بهذا أن المقصود من ذلك تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون جميع ما عبد من دونه ﷾، من أنبياء أو ملائكة أو صالحين أو جن أو غير ذلك؛ لأن الله سبحانه هو المالك الرازق القادر المحيي المميت الخالق لكل شيء المدبر لأمور العباد، فهو المستحق لأن يعبد جل وعلا، وهو العليم بأحوالهم ﷾، فلذلك بعث الرسل لدعوة الخلق إلى توحيده والإخلاص له، ولبيان أسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد ويعظم لكمال علمه، وكمال قدرته، وكمال أسمائه وصفاته، ولأنه ﷿ النافع الضار، العالم بأحوال عباده السميع لدعائهم، الكفيل بمصالحهم جل وعلا، فهو المستحق لأن يعبد جل وعلا دون ما سواه ﷾، وقد أخبر سبحانه عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)