مُمْكِنٌ، وَلَا يَتَقَدَّمُ مَا يُوجِبُ لَهُ الْبَيَانَ فَيَصِيرُ مَا يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ خِطَابِهِ أَوْ فِعْلِهِ بِخِلَافِ مَا أَظْهَرَ؛ لِأَنَّهُ فِي الظَّوَاهِرِ آمِرٌ لَهُ بِخِلَافِ مَا يُرِيدُ مِنْهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى عِلْمٍ مِنْ لَفْظِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ، وَهَذَا خِطَابُ مَنْ كَتَمَ لَا مَنْ بَيَّنَ، وَالرَّسُولُ ﵇ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. فَإِذَا سَمِعَ الْمُخَاطَبُونَ ذَلِكَ مِنْهُ ﵇، ثُمَّ فَارَقُوهُ، وَاحْتَمَلَ وُرُودَ النَّسْخِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِمْ الْإِقَامَةُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَزَالَهُ أَوْ رَسُولَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ الْيَقِينُ، فَلَا يَزُولُونَ عَنْهُ لِإِمْكَانِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا وَلَا يَتَوَقَّفُونَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إسْقَاطَ مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ لِمَا لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يُمْكِنُهُمْ مُرَاعَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ لَا يُفَارِقُونَهُ؛ بَلْ عَلَيْهِمْ اسْتِعْمَالُ مَا عَلِمُوهُ حَتَّى يَعْلَمُوا خِلَافَهُ مَعَ احْتِمَالِ زَوَالِ مَا عَلِمُوا أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَبْلِيغُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] . وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى أَمْرُ السَّلَفِ كَابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ حَتَّى قَدِمَ ﵇، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَكَانَ مُعَاذٌ وَمَنْ بَلَّغَهُ مُعَاذٌ سَوَاءً فِي الِاعْتِقَادِ وَفِي الْفِعْلِ، حَتَّى يَعْلَمَ خِلَافَهُ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَوْجِيهِهِ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ لِإِمْكَانِ نَسْخِ مَا بُعِثَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: بَابُ الْإِبَانَةِ عَمَّا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ مُوَاجِهٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا؛ قَالَ قَائِلُونَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ اعْتِقَادُ مَا سَمِعَ وَلَا فِعْلُهُ حَتَّى يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَيُبَيِّنَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَاجِهْهُ بِالْخِطَابِ، وَإِنَّمَا سَمِعَ دَرْسًا، وَقَدْ يُدَرَّسُ الْمَنْسُوخُ.