فإن قيل: فما الحكمة فيه؟ فالجواب أنه قد جاء الحديث أنه إذا نوقش الجبابرة والعصاة الحساب (¬١) يشتدُّ غضبُ الله عليهم فزيد في الحَمَلة لهذا المعنى. وقال بعضهم: هذا ضربُ مَثل لينزجر العصاة عن المعاصي.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما خلق الله العرش خلق له ملائكةً عظامَ الخلقِ: أحدهم من النور، والثاني من النار، والثالث من الماء، والرابع من الرحمة، وأعطاهم قوة جميع الخلائق، وأمرهم بحمل العرش فحملوه فلم يطيقوا حمله، فقال لهم الله تعالى: قولوا سبحان الله، فقالوها، فرفعوا بعضه حتى بلغ إلى ركبهم وضعفوا، فقال الله ﷿: قولوا الحمد لله، فقالوها، فرفعوه إلى أوساطهم ووقفوا، فقال لهم: وقولوا لا إله إلا الله، فقالوها، فحملوه إلى أكتافهم ووقفوا، فقال لهم: قولوا الله أكبر، فقالوها، فرفعوه على رؤوسهم، فرؤوسهم ناشبة فيه وأقدامهم على الأرض السفلى. قلت: وقد جاءت في العرش والكرسيِّ أخبار وآثار:
فقال أحمد بن حنبل بإسناده عن وكيع بن عُدَس عن عمه أبي رَزِين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: "كان في عَمَاء ما تَحتَه هَوَاءٌ، [وما فَوقَه هَواءٌ] ثم خَلَقَ عَرشَه على الماء" (¬٢).
وقال الجوهري: عُدَسُ -بفتح الدال- اسم رجل، مثال قُثَمَ (¬٣). قال: والعَمَاء -بالمدِّ- سحاب رقيق شبه الدخان يركب رؤوس الحيطان (¬٤). وذِكرُ الفوقِ والتحت والهواء عائدٌ إلى السحاب لا إلى الله تعالى، لأنه لا يعلوه شيء ولا يحلُّ في شيء.
وحكى أبو جعفر الطبري في "تاريخه" عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تعالى العرش فاستوى عليه (¬٥). وروى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله تعالى الماء قبل العرش، ثم وضع العرش عليه (¬٦). والله أعلم وأحكم بالغيب.