ثم إن عبد الله حبسَ عمرًا في حبس عارم (¬١)، وحبس معه عارمًا -واسمه زيد (¬٢) - وكانت دارًا، فقيل: سجن عارم، وبنى عبدُ الله بن الزبير لعارم بيتًا ذراعين في ذراعين، وأطبق عليه الجصّ والآجرّ بعد أن جعله فيه، وكان عارم مع عمرو بن الزبير.
ونادى منادي ابن الزبير: ألا مَنْ كانت له على عمرو بن الزُّبير ظُلامة، أو قصاص، فلْيحضُرْ. وكان قد ضربَ جماعة بالمدينة. فأحضره عبدُ الله بنُ الزُّبير وقال له: يا عدوَّ الله، المستحلَّ لحرمةِ الله، لَأضْربنَّك بكل سَوْط ضربتَ به أحدًا من الناس.
وطلبَ غرماؤه القصاص إلا المنذر [بن] الزبير (¬٣)، وابنه محمد، وعثمان (¬٤) بن عبد الله بن حكيم بن حزام، فإنَّهم أبَوْا أنْ يقتصُّوا منه.
وكان يُقام كل يوم فيُقتصُّ منه لمن ضربَه ضربًا وثيقًا (¬٥). فقام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، فقال: جلدَني مئة سَوْط، وليس بوالٍ، ولم آتِ ذنبًا، ولم أخلع يدًا من طاعة. فقال له عبد الله: اقتصَّ منه. فضربَه مئة سَوْط. فنَغِلَ جسمُه (¬٦)، فمات. فأمر به عبدُ الله، فصُلِب (¬٧).
وقيل: صحَّ من ذلك الضربِ، وأُخرج من السجن، فمرَّ به عبدُ الله بنُ الزبير وهو جالسٌ بفِناء داره وقال: أبا يَكْسُوم (¬٨)، ألا أراك حيًّا؟! ثم أمر به، فسُحب إلى السجن، فما بلغه حتى مات، فأمرَ به عبدُ الله، فطُرِح في شِعْب الخَيف، وهو المكان الذي صُلِبَ فيه ابنُ الزُّبير من بعد (¬٩).