[وحكى القاضي التنوخيُّ أنَّ الفتحَ بن خاقان خرج] (¬١) يومًا يتصيَّدُ، وانقطعَ عنه أصحابه وعسكره، فمرَّ على نهرٍ، فعبر على القنطرة، فانقطعتْ من تحته فغرق، وراه فلاحٌ [وهو] لا يعرفُه، فألقى نفسه عليه وخلَّصه بعد أن كاد يتلف، ولحقَه أصحابُه، فأعطى الفلاحَ مالًا عظيمًا، وتصدَّق بمثله، فقال البحتري من أبيات: [من الطويل]
لقد كان يومُ النهرِ يوم سلامةٍ (¬٢) … أطلَّت ونعماءٍ جرى بهما الدهرُ (¬٣)
مررتَ عليه عابرًا فتشاغبت (¬٤) … أواذيُّهُ لما طمَى فوقه البحرُ
وزالت أواخي الجسرِ وانهدمتْ به … قواعدُه العظمى وما ظلمَ الجسرُ
تحمَّل حلمًا (¬٥) مثل قافٍ وهمةً … كَرَضْوَى وقَدرًا ليس يقدره قدرُ
فما كان ذاك الهولُ إلَّا غَيابةً … بدا طالعًا من تحت ظُلَّتِها البدرُ
فإن ننسَ نعمى الله فيك فحظَّنا … أضعنا وإن نشكرْ فقد وجبَ الشكرُ (¬٦)
وقال ابن عساكر: قدم الفتحُ [بن خاقان] دمشق معادلًا للمتوكِّل على جُمازةٍ، ثم نزلَ بالمِزَّة، فلمَّا رحلَ المتوكِّل عن دمشق ولَّاه إيَّاها، فاستخلفَ الفتحُ بها كَلْباتكين التركيّ، وكان الفتحُ على خاتم المتوكل (¬٧).
وكان المتوكِّلُ يقول: إنِّي أشتهي أنْ يحيى الفتحُ معي، ولا أفقده فيتنغص عيشي، ولا يفقدني، فقُتلَ معه كما ذكرنا.
وعمل (¬٨) البحتريُّ في هذا المعنى: [من الخفيف]
سيِّدي أنت كيف أخلفتَ وعدي … وتثاقلتَ عن وفاءٍ بعهدِي
لا أرتني الأيَّامُ فقدَك يا فتـ … ـح ولا عرَّفتكَ ما عِشتَ فقدِي