وقال سريٌّ: تطربُ قلوب المحبِّين عند السماع، وتخافُ قلوب المقصِّرين، وتلهبُ قلوبُ المشتاقين (¬١).
وقال الجنيد: دخلتُ عليه يومًا وهو ينشد [ويقول:] [من البسيط]
لا فِي النهار ولا فِي الليل لي فَرَجٌ (¬٢) … فما أبالي أطال الليلُ أم قصرَا
لأنَّني طولَ ليلي هائمٌ دَنِفٌ … وفي النهارِ أقاسي الهمَّ والفِكرَا
ثم قال: لولا خوفُ الشناعة لصِحتُ، ثم قال: أين شاهد هذا؟ قالوا: لا نعلم، قال: قوله ﷺ: "ليس عند ربكم ليل ولا نهار" (¬٣) فمن كان عند ربِّه فليس فِي ليلٍ ولا نهار.
[قلت: قد فاتَ سريًّا المعنى؛ لأنه من كان عند ربِّه يغيب عن الموجودات، فلا يبقى له رسمٌ، ولا يَعرفُ عكرًا ولا همًّا] (¬٤).
وقال: الفوائدُ ترِدُ فِي ظلماتِ الليل. (¬٥)
وقال الجنيد: قال لي سريٌّ: ما أرى لي فضلًا على أحد، فقلت: ولا على المخنَّثين؟ فقال: ولا على المخنَّثين (¬٦).
[وحكى أيضًا عن الجنيد قال:] (¬٧) كُنْتُ نائمًا عند سريّ، فأيقظني وهو يبكي، فقلت: ما لك؟ فقال: رأيتُ كأنَّ الله تعالى أوقفني بين يديه وقال: يا سريّ، قلت: لبَّيك، فقال: خلقتُ الخلقَ، فكلُّهم ادَّعوا محبتي، وخلقتُ الدُّنيا، فهربَ مني تسعةُ أعشارهم إليها، وبقي معي العشر، وخلقتُ الجنَّة فذهب (¬٨) إليها تسعةُ أعشار ذلك العشر، وبقيَ معي عشر العشر، وخلقتُ النَّار فذهب إليها تسعةُ أعشار عشر العشر، [فسلَّطت عليهم البلاء،