تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم هجاء المشركين والفسَّاق؟ أرجو التفصيل، فقد أعجبني تفصيلكم في سؤال عن حكم الرثاء في الإسلام، فقد كانت إجابة شافية، ومؤصلة، ومعزوة. وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
" الهجاء " ضد " المدح "، وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في عرض المسلم أنه مصون، وأنه لا يجوز هجوه من غير أن يكون مستحقّاً لذلك.
ففي " الموسوعة الفقهية " (٤٢ / ١٥٩، ١٦٠) :
"وقد استدل الفقهاء على عدم جواز هجو المسلم بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) الأحزاب/ ٥٨، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات/ ١١، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) – متفق عليه -، وَقَوْلِهِ ﷺ: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا بِاللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) – رواه الترمذي، وصححه الألباني –" انتهى.
ثانياً:
ذهب الشافعية إلى جواز هجو المبتدع، والمعلن بفسقه، وذهب الحنفية إلى جواز هجو المنافق.
قال الشربيني الشافعي ﵀:
"ومثله في جواز الهجو: المبتدع، كما ذكره الغزالي في " الإحياء "، والفاسق المعلِن، كما قاله العمراني، وبحَثه الإسنوي" انتهى.
"مغني المحتاج" (٤/٤٣٠) .
وفي "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٥٩) :
"ذهب الفقهاء إلى عدم جواز هجو المسلم، واستثنى الشافعية المبتدع، والفاسق المعلِن بفسقه، فيجوز هجوهم، وعند الحنفية: يجوز هجو المسلم المنافق" انتهى.
وكلما ازداد قبح البدعة، وبُعدها عن الصراط المستقيم: تحتم على أهل السنَّة كشف عوارها، وتبيين ضلالها، وهو من الجهاد في سبيل الله باللسان.
قال ابن القيم ﵀ في بيان شرِّ بدعة التعطيل، والتأويل، وذم أهليهما -:
"فكشْف عورات هؤلاء، وبيان فضائحهم، وفساد قواعدهم: مِن أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: (إِنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ) ، وقال: (أُهْجُهُم - أَوْ هَاجِهِم - وَجِبْرِيلُ معك) ، وقال: (اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ مَا دَامَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِكَ) ، وقال عن هجائه لهم: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ فِيهم من النَّبْل) ، وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله: وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمة الإسلام الذين لهم في الأمَّة لسان صدق: يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول، ودينه، وأهل النفاق، والإلحاد؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك، ومحال، وكفر، وضلال، وتشبيه، وتمثيل، أو تخييل، ثم صرْفها إلى معانٍ يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي، والألغاز، لا يصدر ممن قصْدُه نصح، وبيان، فالمدافعة عن كلام الله ورسوله، والذب عنه: من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وأنفعها للعبد" انتهى.
"الصواعق الرسلة" (١/٣٠١، ٣٠٢) .
ثالثاً:
أما الكافر، والمشرك، والمرتد: فظاهر النصوص تدل على جواز هجائهم، بل قد دلَّت سنَّة النبي ﷺ على أن ذلك من الجهاد في سبيل الله.
عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) . رواه أبو داود (٢٥٠٤) والنسائي (٣٠٦٩) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"عيب ديننا، وشتم نبيِّنا: مجاهدة لنا، ومحاربة، فكان نقضاً للعهد، كالمجاهدة، والمحاربة بالأَوْلى.
يبين ذلك: أن الله سبحانه قال في كتابه: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكم وَأَنْفِسكم فِي سَبيلِ الله) التوبة/٤١، والجهاد بالنفس: يكون باللسان، كما يكون باليد، بل قد يكون أقوى منه، قال النبي ﷺ: (جَاهِدُوا المُشْرِكين بِأَيْدِيكُم وَأَلْسِنَتِكُم وَأَمْوالِكُم) رواه النسائي وغيره، وكان ﷺ يقول لحسان بن ثابت: (أهْجُهُم وَهَاجِهِم) ، (وكان يُنصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله ﷺ بشعره، وهجائه للمشركين) – رواه البخاري تعليقا، ورواه أبو داود والترمذي متصلاً، وحسنه الألباني -، وقال النبي ﷺ: (اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوح القُدُس) – متفق عليه -، وقال: (إِنَّ جِبرائيلَ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رسول الله ﷺ – وهو الحديث قبل السابق -، وقال: (هِيَ أَنْكَى فِيهُم مِن النَّبْل) – رواه مسلم – " انتهى.
"الصارم المسلول" (١/٢١٣) .
وينبغي أن يكون ذلك ردّاً على هجاء أولئك الكفار للإسلام، أو لنبينا محمد ﷺ؛ وقد دلَّ النص القرآني على عدم جواز ابتدائهم بالسب، والهجاء؛ خشيةً من تعرضهم لله تعالى، أو لدينه، أو لرسوله ﷺ، بالسب والشتم، فقال الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/ ١٠٨.
ومما يدل على جواز هجاء الكفار والمشركين ردّاً عليهم: ما ثبت من أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت ﵁: (اهْجُهُمْ - أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) رواه البخاري (٥٨٠١) ومسلم (٢٤٨٦) .
قال العيني ﵀:
"قوله (اهجهم) : أمرٌ مِن هجا، يهجو، هجواً، وهو نقيض المدح.
قوله (أو هاجهم) : شك من الراوي، من المهاجاة، ومعناه: جازهم بهجوهم.
قوله (وجبريل معك) : يعني: يؤيدك، ويعينك عليه" انتهى.
"عمدة القاري" (١٥/١٣٤) .
وفي "مغني المحتاج" (٤/٤٣٠) :
"محل تحريم الهجاء إذا كان لمسلم فإن كان لكافر أي غير معصوم جاز، كما صرح به الروياني وغيره؛ لأنه ﷺ أمر حسَّان بهجو الكفار، بل صرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب.
وظاهر كلامهم: جواز هجو الكافر غير المحترم [يعني غير المعصوم] المعين" انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٦٠) :
"ذهب الفقهاء إلى جواز هجو الكافر غير المعصوم، وكذا المرتد؛ لأن النبي ﷺ أمر حسان بن ثابت ﵁ بهجو الكفار" انتهى.
وفي ذِكر جبريل ﵇ في الحديث دون غيره من الملائكة حكمة بالغة.
قال ابن رجب الحنبلي ﵀:
"وإنما خصَّ النبي ﷺ جبريل، وهو روح القدس، بنصرة من نصره، ونافح عنه؛ لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله، وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط، وفرعون، في البحر.
فمَن نصر رسول الله، وذب عنه أعداءه، ونافح عنه: كان جبريل معه، ومؤيِّداً له، كما قال لنبيه ﷺ: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) التحريم/٤" انتهى.
"فتح الباري" لابن رجب (٢/٥٠٩) .
وبالتأمل في سبب ورود الحديث: يتبين أن النبي ﷺ أمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين ردّاً على طعنهم، لا أن ذلك كان ابتداءً.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وفي الحديث: جواز سب المشرك، جواباً عن سبه للمسلمين , ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين لئلا يسبوا المسلمين: لأنه محمول على البداءة به , لا على من أجاب منتصراً" انتهى.
"فتح الباري" (١٠/٥٤٧) .
وفي "حاشية السندى على صحيح البخارى" (٤/١٤١) :
"وقوله: (بِرُوحِ القُدُس) هو جبريل، في ذلك إشارة إلى أن هجو الكفار من أفضل الأعمال، ومحله: إذا كان جواباً، كما هنا، وإلا فهو منهي عنه لآية: (وَلَا تَسُبُّوا الذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دِونِ اللهِ) " انتهى.
فالخلاصة:
١. تحريم هجاء المسلم من حيث الأصل.
٢. جواز هجاء الكافر، والمشرك، والمرتد.
٣. مراعاة أن يكون هجاء الكافر ردّاً عليه، لا ابتداء من المسلم.
٤. أن يكون الناظم للهجاء على قدر من البلاغة والفصاحة؛ لاختيار النبي ﷺ لحسان بن ثابت دون غيره، ولما قد يسببه نظم الجاهل والضعيف من سخرية الشعراء والفصحاء.
٥. جواز ابتداء المبتدع، والمعلِن بفسقه، بالهجاء.
٦. مراعاة عدم الشطط في الهجاء، وعدم التعدي على العرض، وعدم القذف.
٧. من هجا مسلماً بغير حق: فإنه يستحق التعزير.
ففي "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٦٢) :
"للإمام أن يعزِّر مَن يهجو الناس بغير حق؛ وذلك لأن هذا النوع من الهجاء محرم، وفعله معصية، وكل معصية ليس فيها حد: وجب فيها التعزير" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب