ترك الزّواج استحياء من النّساء وإزالة الشّهوة الجنسيّة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب عمري ١٨ سنة، لا أريد أن أتزوّج لأنّني خجول جدّا جدّا، وقد تعقدت من النّساء أخجل منهنّ بشكل رهيب جدّا، وأريد أن أزيل الشّهوة الجنسيّة سواء بعمليّة جراحيّة أيضا، أنا أقسمت بالله أن لا أتزوّج هل عليّ إثم إذا لم أتزوّج؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أوّلاً:
طوبى لك على ما رزقك الله به من هذه الخصلة الحميدة والصّفة الجليلة التي حثّ الشّرع المطهّر على التّحلّي بها، فقد ورد في فضل الحياء أحاديث كثيرة منها: ما رواه عبد الله ابن عمر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ) رواه البخاريّ (٢٤) ومسلم (٣٦) .
قال الشّيخ محمّد بن صالح العثيمين ﵀ في "شرح رياض الصالحين" (٤/٢٩ – ٣٠) : "الحياء: انكسار يكون في القلب، وخجل لفعل ما لا يهتمّ به النّاس، أو ما لا يستحسنه النّاس.
الحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان، الحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله، وأن ينتهي عمّا نهى الله، والحياء من النّاس يوجب للعبد أن يستعمل المروءة، وأن يفعل ما يجمّله ويزيّنه عند النّاس، ويتجنّب ما يدنّسه ويشينه، فالحياء من الإيمان" انتهى.
ومع فضيلة الحياء وأهمّيته، فلا ينبغي أن يكون سببا لترك ما أمر به الإسلام ودعا إليه؛ لأنّ الحياء إنّما يطلب ويُحمد إذا كان معينا على امتثال أوامر الله ورسوله، قال الشّيخ عبد الرّحمن السّعديّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: (وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) الأحزاب/٥٤:
"فالأمر الشّرعيّ، ولو كان يُتَوَهَّم أنّ في تركه أدبًا وحياء، فإنّ الحزم كلّ الحزم اتّباع الأمر الشّرعيّ، وأن يَجزم أنّ ما خالفه ليس من الأدب في شيء" انتهى. تيسير الكريم الرّحمن (ص ٦٧٠) .
والانصراف عن الزّواج بالكلّيّة والرّغبة عنه خلاف السّنّة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، فقد روى البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ! قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) .
فالنكاح لا ينافى كمال الحياء، فقد كان الرسول ﷺ أشد الناس حياءً، ومع ذلك فقد تزوج ﷺ.
وروى البخاري (٥٠٧٤) ومسلم (١٤٠٢) عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قال: (رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا) .
فلا يجوز إزالة الشهوة سواء كان ذلك بعملية جراحية أو غيرها.
قال في "الفواكه الدواني" (١/١٣٧) : "وأما لو استعملت دواء لقطعه (الحيض) أصلا فلا يجوز لها حيث كان يترتب عليه قطع النسل، كما لا يجوز للرجل استعمال ما يقطع نسله أو يقلله" انتهى.
وورد سؤال إلى اللّجنة الدّائمة للبحوث العلميّة والإفتاء عن حكم إجراء عمليّة خصي لقطع الشّهوة، فأجابت:
"لا يجوز لك الإقدام على إجراء عمليّة لقطع الخصيتين؛ لنهي النّبيّ ﷺ عثمان بن مظعون عن الاختصاء" انتهى.
فتاوى اللّجنة الدّائمة (١٨/٣٤) .
وسبق بيان حكم من حرّم النّكاح على نفسه في جواب السؤال رقم (٨٧٩٩٨) .
ثانياً:
أما اليمين التي حلفتها، فقد حلفت على ترك السّنّة والخير، فالمطلوب منك أن تكفر عن يمينك كفارة يمين، وتتزوج متى يسر الله لك الزواج؛ لقول النّبيّ ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ َيمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) رواه البخاري (٦٧٢٢) ومسلم (١٦٥٢) .
وكفارة اليمين هي: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وقد سبق بيانها تفصيلا في جواب السؤال رقم (٤٥٦٧٦) .
ثالثاً:
أما حكم ترك الزّواج، فإنّ الزّواج يختلف حكمه بحسب الإنسان وقدرته المادية والبدنية، ومدى احتياجه له، فتارة يجب، وتارة يستحب، وتارة يكره، وانظر جواب السؤال رقم (٣٦٤٨٦) .
فالنّصيحة لك أن تصبر ولا تستعجل وتقطع بأنّك لا تستطيع الزّواج، فإنّ لعامل السّنّ تأثيرا كبيرًا فيما أنت فيه من شدّة الحياء، ومع تقدّم السّنّ فإنّه ستخفّ هذه الشّدّة ويكون الأمر في حدود المعتاد، واجتهد أيضا في الدّعاء والتّضرّع إلى الله أن يخفّف عنك، وأن يوفّقك للزّواج السّعيد، ويحسن أيضا لعلاج هذا الأمر استشارة أهل الخبرة والاستفادة من تجاربهم ونصائحهم وإرشاداتهم.
نسأل الله ﷿ أن ييسّر أمرك ويوفّقك لكلّ خير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب