تعدد زوجات الرسول ﷺ كان لأمور تشريعية وأسباب إنسانية
[السُّؤَالُ]
ـ[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخي يكمل تعليمه في الولايات المتحدة، وله صديق نصراني يحاول أن يوقع أخي بحيرة ويشككه في مصداقية أعمال المصطفى ﷺ، حيث يدعي بأن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان يطلب من بعض الرجال أن يطلقوا زوجاتهم ليتزوج بهن هو ﵊، فهل حصل هذا وإن حصل فمن هو الرجل الذي طلق زوجته ومن هي هذه المرأة؟
وكذلك يفترون على الرسول ﷺ بأنه كان مزواجا؟
الرجاء التكرم بإفادتنا حتى تكون حجتنا قوية، ونستطيع أن نتعاون في نصرة ديننا الحنيف، ورد أي ادعاء بحق الرسول ﵊.
وجزاكم الله خيراً، ووضع ردكم لنا في ميزان حسناتكم.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن ما يقوله صديقك محض افتراء، وزور وبهتان، ولعله يقصد قصة زواجه بزينب بنت جحش ﵂، ومن المعروف أنها كانت تحت زيد بن ثابت ﵁، وقد كان يدعى زيد بن محمد، وكان زواجه منها لحكمة تشريعية وهي:
إبطال عادة التبني التي كانت سائدة في الجاهلية، وقد كان زيد يأتي النبي ﷺ يشكو إليه زوجه زينب، وقد أعلم الله نبيه بأن زيداً سيطلقها وسيتزوجها النبي ﷺ، فيرد عليه النبي ﷺ بقوله: "أمسك عليك زوجك واتق الله". ولما حدثت الفرقة بين زينب وزيد تزوج النبي ﷺ زينب للحكمة التشريعية وهي إبطال عادة التبني.
وأما كثرة زواج النبي ﷺ، فالعجب كل العجب من أقوام ينكرون على النبي ﷺ تزوجه باثنتي عشرة امرأة كانت تحته منهن عندما توفي تسع نسوة، لم يكن منهن بكر غير عائشة ﵂.
ذكر أحد العلماء أنه التقى بأحد المستشرقين فقال له المستشرق كيف تحترمون رجلا تزوج بتسع نسوة، فلم يشرح له العالم أسباب زواج النبي ﷺ بهذا العدد، لأن هذا قد أعماه التعصب والحقد، فقال له وهل تحترمون أنبياء التوراة؟ قال: نعم. قال وهل تحترمون داود ﵇؟ قال: نعم. قال وهل تحترمون سليمان ﵇؟ قال: نعم. قال فإن داود كان له تسع وتسعون امرأة وأكملهن مائة، وسليمان كان له ٣٠٠ زوجة و ٧٠٠ جارية فلم يحر جوابا وسكت الحاقد.
وفي حياة النبي ﷺ بالنسبة لزواجه ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: ما قبل الزواج.
فمن المعلوم أن النبي ﷺ نشأ في بلاد حارة وهي بلاد العرب، والشباب والفتيان في هذه البلاد يبلغون الحلم مبكراً، وتكون عواطفهم فوارة وشهواتهم جامحة، فيبادرون إلى الزواج المبكر أو ينحرفون وراء شهواتهم المحرمة ينالون منها ما يطفئ ظمأهم.
ومع نشأة النبي ﷺ في مثل هذه البلاد وهذا المجتمع، فقد سلم ﷺ من هذه الأوضاع، ومكث حتى الخامسة والعشرين من عمره دون زواج ولم يعرف عنه أي انحراف، كما يعترف المستشرق (موير) فيقول: "فإن جميع المراجع متفقة على أن النبي ﷺ في شبابه كان مطبوعاً بالهدوء والدعة والابتعاد عن المعاصي التي كانت قريش تغترف منها".
المرحلة الثانية: مرحلة الزوجة الواحدة.
قبل زواجه ﷺ عمل في التجارة للسيدة خديجة ﵂ ذات الحسب والشرف، والتي كانت تكبره بخمسة عشر عاماً، ولمست منه الأمانة في التعامل، والعفة وطيب الشمائل، بعثت إليه تعرض الزواج منه، وتم هذا الزواج، وكان له منها الأولاد، إلا إبراهيم الذي كان من مارية المصرية. وعاش معها حتى توفيت ﵂، وقد تجاوز ﷺ الخمسين من عمره، ولم يدر بخلده يوما أن يتزوج عليها وقد كان التعدد سائدا ومعروفاً، بل بقي وفيا لها ولذكراها يتحدث عنها وعن مكارمها، مما كانت تغار منه بعض نسائه.
المرحلة الثالثة:
حزن النبي ﷺ على خديجة لما توفيت حتى سمى هذا العام عام الحزن حتى أشفق عليه أصحابه، فبعثوا إليه خولة بنت حكيم زوج عبد الله بن مظعون تحثه على الزواج، فقال لها من بعد خديجة؟ قالت: عائشة بنت أبي بكر وهو أحب الناس إليك. قال: ولكنها صغيرة، قالت: الصغيرة تنضج، قال: ومن لبنات رسول الله ﷺ حتى تنضج قالت: سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو توفي عنها بعدما عاد من الهجرة إلى الحبشة وتركها بين أهله المشركين، فتزوجها رسول الله ﷺ، ولما سمع الناس بأمر هذا الزواج أيقنوا أنه إنما ضمها رفقا بحالها وشفقة عليها وحفظا لإسلامها، لأنها كانت مسنة غير ذات جمال ولا مطمع للرجال فيها، وأبقى عليها زوجة واحدة مدة أربع سنوات حتى كبرت عائشة، وهذا دليل على أن التعدد الذي حدث بعد الرابعة والخمسين من عمره ﷺ لم يكن لشهوة ولا للذة وإنما لأسباب إنسانية وسياسة حكيمة ولأمور تشريعية، وأما حفصة بنت عمر ﵁، فقد استشهد زوجها خنيس بن خذافة السهمي في غزوة بدر وهي في الثامنة عشرة فخاف عليها أبوها، فعرضها على أبي بكر فلم يجبه، فعرضها على عثمان وكان رقية بنت رسول الله ﷺ زوجة عثمان قد ماتت فأعرض عن عمر، فذهب عمر إلى النبي ﷺ يشكو صاحبيه أن أحداً منهما لم يجبه بشيء، فقال رسول الله ﷺ مداويا جراحه ومطيبا خاطره يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة، فتزوجها رسول الله ﷺ، وفي عرض عمر ﵁ حفصة دليل على حرص الصحابة على تزويج أرامل الشهداء جبرا لكسرهن وصونا لعفافهن.
والسيدة زينب بنت خزيمة الهلالية كانت أرملة عبيدة بنت الحارث ابن عم رسول الله ﷺ، وأم سلمة هند بن زاد الراكب أرملة عبد الله بن عبد الأسد ابن عمة رسول الله ﷺ استشهد في أعقاب أحد، وقد خطبها أبو بكر وعمر فأبت، فلما خطبها رسول الله ﷺ اعتذرت أنها غيورة، وأنها امرأة ذات عيال، وأنها مسنة، فقال لها رسول الله ﷺ أما أنك مسنة فأنا أسن منك، وأما الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما عيالك فإلى الله ورسوله، وتم الزواج، وكونه تقدم إليها بعد رفض صاحبيه دليل على انتفاء الشهوة في هذا الزواج أي كان المقصود منه حماية أرامل الشهداء، ورعاية أولادهن.
وأما زينب بنت جحش فقد تقدمت الحكمة من هذا الزواج. وهكذا كان سائر زواج النبي ﷺ مواساة لمن تزوج بهن، أو لترغيب قومها في الإسلام، ولو كان للشهوة مكان في هذا الزواج لما رضي بالمسنات والأرامل، ولكان له في غيرهن طريق آخر، ولم يتزوج امرأة بكراً غير عائشة ﵂.
ولا يخفى أن قرب أبيها منه، وبذله نفسه وماله لله، وتعرضه في ذلك لكل أصناف المخاطر والتنكيل قد يكون هو السبب الأكبر في زواجه ﷺ منها، وقد عاشت معه عيشة كريمة، ونقلت عنه كثيرا من أمور الدين لم يكن ليتسنى لها أن تنقل عنه ذلك لو لم تكن زوجة له ﷺ، ورضي الله عنها وعن أبيها وعن سائر أصحاب النبي ﷺ. والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٣٠ رمضان ١٤٢١