الحكمة من أمر النبي بالتقوى وتوبة الله عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[الحمد لله وبعد
قال الحبيب: ﴿اللهم نقني من خطاياي..﴾ الحديث.. وقال تعالى ﴿عفا الله عنك﴾ وقال ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ وقال ﴿يأيها النبي اتق الله﴾ .. شيخنا الكريم ما الحكمة من وراء ذكر هذه الآيات؟ وما مدى وقوع الخطأ من النبي ﷺ أو المعصية؟ وبالله التوفيق.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن قول النبي ﷺ: اللهم نقني من خطاياي.. جاء ضمن دعاء استفتاح الصلاة الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ معصوم، وأن الله ﷿ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكن هذا من باب التواضع وإظهار العبودية لله ﵎.
قال الحافظ في الفتح: هذا الدعاء منه ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل على سبيل التعليم لأمته ...
وأما قول الله ﵎: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] . فقد نزلت هذه الآية في صنف من المنافقين استأذنوا النبي ﷺ دون اعتذار، فأذن لهم النبي ﷺ استبقاء منه عليهم، وأخذا بالأسهل من الأمور، وتوكلا على الله، فعاتبه الله تعالى.
وقيل: كان لرسول الله ﷺ أن يفعل ما شاء ما لم ينزل فيه وحي، واستأذنه المخلفون في التخلف واعتذروا، فاختار أيسر الأمرين تكرما وتفضلا منه ﷺ، وعلى هذا، يكون قول الله تعالى عفا الله عنك افتتاح كلام وليس عفوا عن ذنب، كما في قوله ﷺ: عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق. رواه البزار وما وجبتا أصلا، ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك.. اهـ بتصرف من تفسير ابن عطية.
وأما قول الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِي [التوبة:١١٧] . فمعناه: غفر له، أي لم يؤاخذه بالذنوب سواء كان مذنبا أو لم يكن، كقوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [المزمل:٢٠] . أي فغفر لكم وتجاوز عن تقصيركم وليس هناك ذنب ولا توبة، فمعنى التوبة على النبي والمهاجرين والأنصار: أن الله لا يؤاخذهم بما قد يحسبوه أنه يسبب مؤاخذة، كقول النبي ﷺ: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. رواه البخاري ومسلم.
وقال ابن عطية: التوبة من الله تعالى: الرجوع بالعبد من حالة أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعا من حالة المعصية إلى حالة الطاعة، وقد تكون رجوعا من حالة طاعة إلى طاعة أكمل منها، وهذه توبته في هذه الآية على النبي ﷺ، لأنه رجع به من حالة قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمل مشاقها إلى حاله بعد ذلك كله.
وأما قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ١] فمعناه: دم على التقوى، أو داوم على ما أنت عليه من التقوى.
قال ابن عطية ومتى أمر أحد بشيء هو به متلبس، فإنما معناه الدوام في المستقبل على مثل الحالة الماضية.
وبذكر أقوال العلماء في النصوص المذكورة، يتسنى لنا بعض الحكم من ذكرها، فمن ذلك إظهار عبوديته ﷺ وتواضعه، ومنها: التعليم لأمته من بعده، وأنه لا أحد أكبر من أن يوعظ ويُذكَّر ويؤمر وينهى.
وأما احتمال وقوع الخطأ من النبي ﷺ فإنه مستحيل فيما يتعلق بالرسالة والوقوع في المعصية، فالأنبياء جميعا معصومون في التبليغ عن الله تعالى، ومعصومون من كبائر الذنوب إجماعا، وصغائرها على قول الجمهور.
وفيما يخص الجانب البشري والأمور الدنيوية، فإن الخطأ جائز عليهم في هذه الأمور، مع الاعتقاد الجازم بأنهم أكمل الخلق عقلا، وأرجحهم رأيا، وأسدهم تدبيرا.
وهذا ما كان مستقرا في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا يناقشون النبي ﷺ في الأمور التي تتعلق بالحرب والتدبير والرأي والمشورة، وربما تنازل عن رأيه إلى رأي بعضهم.
وأما ما يتعلق بأمر الوحي والرسالة، فكانو يسلمون به تسليما.
ولمزيد من الفائدة والتفصيل وأقوال أهل العلم، نرجو الاطلاع على الفتويين التاليتين: ٦٩٠١، ٢٥٨٣٤.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٠٤ شعبان ١٤٢٤