وداع والد
للأستاذ محمود خيرت
أخوان ما آب المسافر منهما … حتى استطاب أخوه هجران الحمى
فالقلب بينهما الغداةَ موزَّع … حيرانُ يخفق نشوةً وتألُّماَ
ولشدّ ما يجد المُفارِقُ ما انتهى … مِن جنة اللّقيا إليه جهنما
يا أكبر الأبناء خلّف بعده … صبراً تقطّع حبلُه وتصرّما
لم تَدْرِ يوم البين ما فعَل الأسى … بأبيك لما أن دنوتَ وسَلّما
عقد الذهولُ عن الكلام لِسَانَه … فتكلَّم الدمع العَصِيُّ وترجما
ومشى إليك مشرّداً متخاذلاً … يأبى عليه الهول أن يتقدّما
حتى إذا نأتِ السفِين بركبها … وغدوتَ بالبُعد الطويل ملثَّما
بَدَتِ الحقيقة كالخيال فها أنا … إما أراك غداً أراك توهّما
والدار تنعى أُنسها الماضي وقد … أمسى على ظَمْأَى النفوس محرّما
يا من كساها مِن بشاشته سَنىً … عكسَت جوانبُها صداه تبسّما
للدور أرواح تحِنّ لأهلها … وتطوف مِن خَلل الحواجِز حُوّما
وضّاءة بهمُ الزمانَ فإِن هُمو … نزحوا تغشاها الظلام وخيّما
كم كنت ترعاني وتأسُو علَّق … وتحولُ دون الدّاء أن يتحكَّما
ولكَم سهرتَ عليّ فيه ليالياً … لا عابساً فيها ولا متبرِّما
وتخِذتُ منك وأنتَ منّي عدّة … عند الزمان إذا الزمان تجهّما
فالبعد أقسى ما يمُرُّ به أبٌ … ثقُلت عليه همومُه فتهدّما
لكنْ رحلتَ ونصبُ عينك غايةٌ … كانت أعزّ من البقاء وأكرما
وطَّنتَ نفسك في أمانيها على … أن تركب الأخطار كي تتعلّما
محمود خيرت