عند بحر مويس شتاء
للأستاذ عبد الرحمن شكري
كم خشع العابر من قبلنا … على ضفاف النهر وقت الأصيل
أو في مساء إذ ترى ظلمة … قد عشَّشت في الدوح دوحا كغيل
وربما كنا الأولى قد مضوا … وإن نأى الظن وعز الدليل
وما الذي ينأى بنا عنهمُ … من منظر أو خاطر أو ميول
كم منظر تحسب إمَّا بدا … من أخذة الفكر ووهم الذهول
انك - والقلب خبير به - … أجَلْتَ قِدْما فيه لحظ المجيل
الدوح كالمفْكِر في هدأة … إذ سكن الجو سكون الكهول
أو ثاكلات طال ثكل بها … فَسَكَّنَتْ من شجوها والعويل
أو صمتت من طول ما عُمّرَت … كصمتة الشيخ الوقور الجليل
والنهر كالزئبق في لمعة … وركدة ما إنْ بها من مسيل
عهدته في صيفه لؤلؤا … لو أن للؤلؤ سيلا يسيل
والسحب كالأشجار قد عرشت … في الأفق تبدو مثل ظل ظليل
أو قطع من حلم غامض … أو كمثار النقع أو كالطلول
والجو قد روَّع من قره … كأنه قر ممات يصول
أنفاس ثغر الموت في قره … تخرج من ثغر لجسم مَخِيل
والأرض غبراء سوى ما بدا … من عشبها منتثرا كالفلول
كأنما الدجن غدا تربها … وتربها الجهم كدجن سديل
تشابهت في اللون عهدي بها … في صيفها واللون غير القليل
عهدي بها كالحود في عرسها … زاهية الأصباغ شتى الذيول
خِيلَ حدادا إذ دجا لونها … وهو كعقب العرس حتم البديل
خلاعة للصيف خلابة … وفي الشتاء الحسن جم الفصول
تباين الحسنان في روقة … لكنه زاد جلال الجميل
كم متعة جاءت بها رهبة … كرهبة البرق وعادي السيول