قرب الموتى
للأستاذ عبد الرحمن شكري
يا روح إِلف أليف الموت والحُفَرِ … قومي اسألي عن أليف الهم والسهرِ
أو فابعثي هاتفاً بالليل يؤنسني … لو كان لِلْمَيْتِ من شوق ومن ذِكَرِ
وحَلِّقي فوق قوم كنتِ زينتهم … كالطير تهبط فوق الوكر في الشجر
فإن نورك نور النجم يرشدنا … ورحلة العيش تحكي رحلة السفر
أو كالملاك تهدي وهي خافية … وتُشْعِرُ النفس طُهْراً ليس في السِّيَرِ
عجز عن الشر لم أبصره في نفر … يا شر ما خَلّفَ الأحباب من نفر
غرارة ربما لو عشتِ ما بقيت … إذاً عداك الردى عن مهبط البشر
هل تلك طبع الصبا تودي الحياة به … لا بل غرار فؤادٍ غير ذي نُكُر
فصانك الله في أمن وفي كَنَفٍ … وقُدْسِ طُهْر كصون المرء للذخُر
كأنما أنتِ ذُخْرٌ لا يجود به … على الدُّنَى وهي من ضَيْر ومن أشر
ما أقرب الميت من حي وإن بعدت … مكانة بين هذا الوِرْدِ والصَّدَرِ
إن الأولَى خلفونا بعدهم ومضوا … ما خلَّفونَا وإن غابوا عن النظر
هم في الأمانيِّ والأرواح والذِكَرِ … منا وفي القلب والأشجان والفِكَر
فكيف نجزع من فَقْدٍ وما انتقلوا … إلا إلى النفس حرزا ريْم مِن غَيِر
يا قرب دارهمُ من واصل لهمُ … بالنفس إن لم يكن بالعين والأثر
ووحشة النفس من حيٍّ يغايرها … أشد من وحشة في السمع والبصر
من حاضرين وإن ماتوا وإن بعدوا … وإن غدوا كحديث الركب والسمر
ورب ذكرى تعيد المَيْتَ في شبح … يكاد يُلمَسُ لولا رادع الحذر
ماض من الدهر والأقوام يخبرنا … أن لا مسافة بين المهد والحُفَر
عبد الرحمن شكري