الربيع الناطق!
للشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير
يا مَن تفتَّح كالربيع لناظري … فلمحت فيه شقائقاً وبهارا
والفُلَّ يشرق بالضياء وبالشَّذا … والنرجسَ النعسان والنوَّار
والوردَ فخوراً يتمتم: (ويحكم … هيا أغنموا مُتع الحياة قصارا)
متباين الألوان ألّف بينها … ذوق يبلبل سرُّه الأفكارا
تلك المفاتنُ ينتهين لغايةٍ … ولقد يريبك أنها تتبارى!
أمثولةُ الحسن البديع مرامُها … تطوى لها المضمار فالمضمارا
فكأنها أحزاب شَعب راشدٍ، … كلٌّ يجمّع حوله الأنصارا
يتنافسون، وإنما مرماهم … تحقيق آمال البلاد كبارا
ما للجمال وللسياسة؟ إنه … أهدى إلى قصدِ السبيل منارا
هو عالم ننساب في أطيافه … ونعانق الأنداء والأنوارا!
من ضلّ في ساحاته كمن اهتدى … وكمن صحا من لا يفيق خُمارا
يا من تفتَّج كالرّبيع لناظري! … أضرمت ما بين الجوانح نارا
أسكرتَ روحي بالسَّنا فذهلتُ عن … نفسي، وخلت العالمين سكارى!
وسهوتُ عن زمني فلست بمثبتٍ … أسكرتُ ليلاً أم سكرت نهارا؟
رمتُ الكلامَ، فحار في شفتِي كما … تاه الجمالُ بناظريك وحارا!
ماذا أقول وكل لفظٍ شاردٌ؛ … عيناك أعظم أن تُطيقَ حوارا
عيناك أقوى بالحياة وفيضها … زخراً، وأعمق في الحياة قرارا!
لَبَصُرْتُ بالُّتفاح يلعن نفسه … لما أبيتَ مساسه استكبارا!
كم ودّ لو يلقى الشهادة في فمٍ … يهبُ الخلود وينهب الأعمارا!
ما كان ضرّك لو مسحت جبينه … فأحاله لَهبُ الحياة نُضارا!
أو لو قبلت فداءه فجعلَته … معنى يحيط به الجمال إطارا
أم غرت منه؟ فيا لقلبك قاسياَ! … ماذا تركت لحسنه فتغارا؟
يكفيه في زيناته أن يكتسي … شَفقاً له منن وجنتيك مُعارا