هذي المعاهد
قَضَّيتُ آمالَ الحشاشة أجمعا … ورأيت ما اغترق العيونَ وأمتعا
وعرضتُ من فِتَن الطبيعة موكباً … سيظل في خلدي نضيراً مونعاً
ومضيت عن نَظَرٍ بديع معجب … حَسَنٍ إلى نَظَرٍ أَحَبَّ وَأبْدَعا
وجَلَتْ حلاها لي الطبيعة أُفْقَها … وأَديمها وأَراكَها المتضوعا
وقرارةً هبطتْ ونجداً صاعداً … وخميلة نضرت وعشباً أَمرعا
ونميرَ ماءٍ سارياً متوانيا … حيناً وحيناً دافقاً متدفعا
ينساب آنا ساكناً مترقرقا … بسطت حواليه الغصونُ الأذرعا
ورَمَتْ عليه ظلالَها مخضَرَّةً … فكأنَّ روضاً رفَّ فيه وأَفرعا
ويغيب آنا في حنايا غابِهِ … إلا خريراً منه شق المسمعا
يتلو على سمع الصخور قصيدَهُ … عذبَ البيان مجنّساً ومسجَّعا
ويفيض من جسر إلى جسر إلى … جسر يزمزم تحته متخشّعا
ويضل عن بصري ويذهب ضاوياً … ويعود يلقاني مليئاً مترعا
صرَّفتُ في تلك المجالي نظرتي … ورويت طرفي مرسَلاً ومرجَّعا
واشتقتُ لي في كل بيت مسكناً … منها وجَانِبَ كلِّ دوح مضجعا
يا حُسْنَ أَبياتٍ هناك تتابعت … زُمَراً تفرَّق بعضها وتجمعا
جثمت على قمم الربى وسفوحها … وبدا بها نَورُ الزهور مرصَّعا
وزكتْ بساحتها الثمارُ شهيةً … وعَدَتْ حواليها السوائم رُتَّعا
ويجودها هامي السحاب فتنجلي … أَبهى من الثلج النقي وأَنصعا
ما ضرَّ مالِكَها ونازلَ حُسنها … ما نال من آماله أو ضيَّعا
فِتَنٌ نعمتُ بها نهاراً خلتُني … قد جُبْتُ حُسْنَ الكون فيه أَجمعا
مُذ طالعتْها الشمسُ في رأد الضحى … حتى زها فيها الأصيل مشعشعا
هذي المعاهد كم سعدتُ بظلها … وخطرت في جنباتها مستمتعا
وصحبتُ فيها الليل آخِرَ قافلِ … ولقيتُ فيها الصبح أولَ مَن سعى
ومضتْ بها ذِكَرٌ إِليَّ حبيبة … وخَلَا بها ودٌّ نما وترعرعا
وقبستُ منها الشعر أمسِ ولم تزل … توحي إليَّ الشعرَ والعليا معا