في أعقاب الخريف
للأستاذ محمود الخفيف
ألْقَى على الدوح فتورَ الكرى … فلاحَ كالناعِسِ
لا تستبينُ العين فيما ترى … من أفقه العابس
غيرَ الأسى في جوه منذرا … بليليَ المكتئب الدامس
يَبكْرُ بني في الأُفْق هذا القطوبْ … وهذه الكُدْرَةُ في لونه
وتُجْفِلُ النَّفْسُ لهذا الغروبْ … وحُمْرَة المحزون في جفنه
يا ويْلَتاَ تلك الرؤَى أفْرَخَتْ … في قَلْبَي المسْتَسْلِم اليائس!
أسْلَمَني للوجْدِ هذا الخريف … في لَفْتَةِ الراجِل
وأنكرتْ أذْناي هذا الحفيف … من عُودِهِ الناحِلِ
يَلْمَحُ لي منه خياَلٌ مُطِيفْ … لكل شيءٍ هاَلِكٍ زائِلِ
أوْرَاقُه نَهْبُ رياح المساءْ … تُلْقَى بها مُصْفَرَّةً ذابِلَهْ
تسوقُهاَ مُعْجَلَةً للفناء … قافَلةً في إثرِها قافِلَهْ
تَطَايرت كما تَطيرُ المنى … من لمحةِ الوَهْم إلى الباطِلِ
حَطَّتْ على الدَّوْح بنات الهديل … ساهمةً عانيهْ
للشَّفَقِ الباكي بهذا الأصيل … ما فتئت رانيه
طالعَها منه شتاء طويلْ … عِشاَشُها في كفه واهيه
قد أشبهتني الوُرْقُ في غُمَّتي … لكنها تذهل عن أمسها
وكل شيءٍ مُوقِظٌ مُهجَتي … حتى رياح الليل في همسها
أسْمَعُ في هسيِسها أنَّةً … بالأمسِ كانت نَغْمَةً شادِيَهْ
شَبَّابةُ الراعي بأنغامِه … في مِسْمَعي صاَخِبَهْ
يا لاعباً طيوف أحلامِه … خافقة لاعبه
نَبَّهَت القلبَ لآلامه … إذ بَعَثَتْ أحَلامَهُ الذاهبه!
يا ليتني أذهل عما مضى … أوْ أَرْعَوِى بَعْدَ فواتِ الأمَلْ
يا ليت مثلك هذا الرضى … يا ناعماً ما ذاق إلا الجذَلْ