إذا هاجَها الزَّحف غَنَّى الحديدُ … وغنَّتْ حناجرُهم هاتفةْ
أطَلَّتْ على الحشْدِ أسوارُ عَكا … خِضَمًّا يَزيدُ لديْهَا ارْتِطاما
حَوَى الْمُرْدَ والشِّيبَ والعِلْيةَ الصِّ … يدَ والتَّابِعبهم خليطاً تَرَامى
نَشَاوَى النِّصَالِ، بأرماحِهِمْ … جُنونٌ سَقَاهَا هناك احتداما
ومِن دون عَكا شُبُولُ العَرِينِ … من الشرْقِ يمْنَعُ أسوارَها
يطوفُ على الْجُنْدِ سلطانُهُمْ … مَهِيبَ الملامِحِ قَهَّارَهَا
مُطاعاً له طَلْعَةٌ في الصُّفوفِ … تَعَوَّدَتِ الْجُنْدُ إكبارَها
وَيَفْدِيهِ في الحرْبِ أجنادُهُ … إذا رَاحَ يَرْكَبُ أخطارَها
وَعَزَّتْ على الطالبينَ القِلاعُ … وإذ مَرَّ عامانِ زِدْنَ امتناعا
وَذَاقَ حُماَةُ الصليبِ الهوانَ … فما شَهِدوا مِثل هذا صِراعا
أهابوا وقد عَجَّ مَوْجُ المنَايا … بأَوْطانِهِمْ فأجابَتْ سِراعا
وَلبَّى الملوكُ النِّداَء ففي البَ … رِّ جيشُ (فِرِدريكَ) جَمُّ العددْ
وجيشُ الفِرِنْسِيسَ حشدٌ عظيمٌ … وفي البحرِ أسطولُ قلبِ الأسدْ
فتَى الغربِ ريكَرْد خيْرُ السيوفِ … الجسورُ النَّجيدُ القَوِيُّ السَّنَدْ
فتَى ليسَ يَنْزِعُ عن قَوْسِهِ … سِواهُ ولا جَلَّ عنهُ أحدْ
وَأَرْغَمَ (رِيكَرْدُ) تلك الحصونَ … فما إن تَطَامَنُ إلاّ لهُ
وَإِنْ كان لَاقَى من ابنِ القِفارِ … من البطشِ والبأسِ ما هالهُ
وكانَ (صلاحٌ) رَمَى بالرِّجالِ … (فِرِدْرِيكَ) يَدْفَعُ إِقبالهُ
وما كادَ يُزْهَى بإِكليلهِ … فَتى الغَربِ حَتَّى اعتراه الهزالُ
أَلَحَّ على جِسْمِهِ الْقَسْوَرِىِّ … لدى ساحِة المَوْتِ داء عُضال
ثَوَى اللَّيْثُ حيناً على رَغمِهِ … وَعُلِّقَ - حَتَّى يُبِلُّ - القِتال
يُعَذِّبْهُ خَوْفُهُ أن يطولَ … ضناهُ، وأن يَتراخى الرِّجال
وَأَعْجَبَ ذاكَ الهصورَ المريضَ … طَبيبٌ سعى من لدُنْ خَصْمِهِ
يقول لهُ قومُهُ: أَقْصِهِ … وَنَجِّ دِماءكَ من سُمِّهِ
فقال: جَهِلتُمْ لعَمْرِي صلاحًا … تَنَزَّهَ عن ذاكَ عالي اسمِهِ!