مرثية محمد محمود باشا
للأستاذ محمود حسن إسماعيل
دَفَنَتْ وَرَاءكَ فَجْرَهَا الأَيَّامُ … سِيَّانِ بَعْدَكَ ضَحْوَةُ وَظَلَامُ!
نَفَضَ الردَى مَعْنَى الحَيَاةِ بِخَاطِرِي … حَزَناً، وَمَاتَتْ في دَمِي الأنْغَامُ
لَا اللَّيْلُ مَسْحُورُ السُكونِ، وَلَا الضُّحىَ … كَجَبِينِ مَجْدِكَ آلِقُ بَسَّامُ
أَنَا ذَلِكَ الطَّيْرُ الّذِي خَلَّفْتَهُ … وَلَظَى الْهَجِيرِ لِنَوْحِهِ إِلْهامُ
تَرِدُ الأَسَى شَبَّابَتِي فَكأَنَّهَا … حطَبُ يُجَاذِبُ صَفْحَتَيْهِ ضِرَامُ
وَكَأَنَّ عُمْرِيَ زَهْرَةُ بَرَّيَّةُ … لَا الظِّلُّ يُنْعِشُهَا وَلَا الأَنْسَامُ
وَكَأَنَّ رُوحِي في الدُّجى صَبَّارَةُ … بَيْنَ الْقُبُورِ حَدِيثُهَا إِعجَامُ
سُقِيَتْ بدَمْعِ الثاكِلينَ فَأَطْرقَتْ … ثَكْلَى تفَزِّعُ صَمْتَهَا الأَحْلَامُ
ماذا دَهَى وَتَرى وكانَ مُجَلْجِلاً … بِعُلَاكَ تَنْقُلُ شَدْوَهُ الأجْرام؟
شَلَّتْ عَلَيْهِ أنَامِليِ وَتَمَلْمَلَتْ … كَبَدِي وَغَشّتْ حَيْرَتِي الآلام
فَوَجِمْتُ كالمَأخُوذِ أيُّ بَقِيَّةٍ … لِلْوَعْيِ تَنْشُدُهَا بهِ الأوْهَام!
أرْثِيكَ، يَا لِخَطِيئَة الدُّنْيَا وَهَلْ … يَرثِي المَعَانِي الشُّمَّ فِيكَ كَلَام
ضَجَّ الأثِيرُ وَقَدْ رَمَى النِّاعي بهِ … خَبَراً لَدَيْهِ انْشَقَّتِ الأفْهَامُ
وَالنيَّلُ كادَ جَوَى تَمِيدُ ضِفَافُهُ … وَتُصَوَّحُ الرَّبَوَاتُ وَالآجَامُ
وَالشْرقُ جَلَّلَهُ السَّوَادُ، فَقُدْسُهُ … دَامِي الحَشَا، وَعِرَاقُهُ، والشامُ
وَالأرْزُ مُرْتَعِشُ الضَّفَائرِ ذَاهِلُ … بَثَّتْهُ نَارَ جِرَاحِهَا الأهرامُ!
أمُحَمَّدٌ كَذَبَ النُّعاةُ فَلَمْ يَمُتْ … مَنْ رِيعَ يَوْمَ فِرَاقِهِ الإسْلامُ
وَمَن التَقَتْ مِصْرٌ وَرَاَء رِكابهِ … شِيَعاً يُؤَلَّفُهَا أسىً وَوئَامُ
وَمَن اصْطَفاهُ المجْدُ حَتِّى لَم يْكُنْ … إلاّ لهُ صَرْحُ النُّجومِ مَقَامُ
وَمَن انتَضَى الأخْلَاقَ سَيْفاً شَرْعُهُ … أنَّ الغُمُودَ عَلَى السُّيُوفِ حَرَامُ
وَمَن اسْتَعارَ النُّورُ حُجَّتَهُ فَلَا … زَيْفُ وَلا رَهَبْ وَلَا إبْهَامُ
وَمَن اسْتَجارَ القَيْدُ حِينَ أذَاقَهُ … لَهَباَ يَؤُزُّ جَحِيمَه الإقْدَامُ
وَمَن النّزَاهَةُ كالضُّحَى لَا رَأيُهُ … يَزْوَرُّ عَنْ فَمِها ولا الأحكامُ