ليالي القاهرة
الميعاد الضائع
للدكتور إبراهيم ناجي
ياَ مَنْ طَوَاها الَّليْلُ في ظَلْمائِهِ … رُوحاً مُفَزَّعَةً عَلَى بَيْدَائِهِ
تَتَلَفَّتِينَ ألَيَّ في أَنْحَائِهِ … لَهَفَ الفُؤَادِ عَلَى الْغَرِيبِ التَّائِهِ!
إِنْ تَظْمَئ لِيَ كمْ ظَمِئْتُ إِليْكِ … جَمَعَ الوَفاءُ شَقِيَّةً وَشَقِيّا
ياَ مُنْيَتِي قَسَتِ الْحَيَاةُ عَلَيْكِ … وَجَرَتْ مَقادِرُها الْجِسَامُ عَلَيّا!
إنِّي الْتَفَتُّ إلى مَكانِكِ وَالْمُنَى … شُلَّتْ وَقلبِي لَا يَطِيقُ حَرَاكا
فَصَرَخْتُ ياَ أَسَفا لَقَدْ كانَتْ هُنا … لمَ عَاقَنِي الْقَدَرُ الْخَئُونُ هُنَاكا!
عَبَسَتْ وَسَوَّدتِ السَّماءُ ظِلالَها … فَكأَنَّ عُقْباَناً تَحُطُّ رِحالَها
وَكَأنَّ أَطْوادَ السَّحابِ حِيالَها … أَرسَتْ عَلَى الكَتِفِ الصَّغِيرِ ثِقالَها
تَسْتَصْرخِينَ لَكِ السَّماَء وقَدْ خَبَتْ … وَطَوتْ بَشاشَة كُلِّ نَجْمٍ مُشْرِق
إِنْ خْلتهِاَ اسْتَمَعتْ إِليْكِ وَقَارَبَتْ … أَلفَيْتهِا صَارَتْ كلَحْدٍ ضَيّقَ
ياَ مَنْ هَربْتِ مِنَ الْقَضَاءِ وصَرفِهِ … عَجَباً لِهاَرِبةٍ تَلُوذُ بهاَرِبِ!
إِمَّا هَوَي نَجْمٌ وَمَالَ لِضَعْفِهِ … أَبْصَرتِ حَظَّكِ في الشُّعَاع الْغَارب
أَسَفاً عَليْكِ وَأَنْتِ روحٌ حائرُ … وَالكَونُ أَسْرارٌ يَضيقُ بها الحِجى
تَجْتَازُ عَابرَةٌ وَيُسْرِعُ عَابرُ … وَتمُرُّ أشْبَاحٌ يُوَارِيها الدُّجَى
في وَجْنَتَيْكِ تَوَهُّجٌ وَضِرَامُ … وَبمُقْلتيْكِ مَدَامِعٌ وَذُهُولُ
وَكَذَا نمُرُّ بِمِثْلكِ الأيامُ … مَجْهُولةً وَعَذَابُهَا مَجْهُولُ
وَليْتِ قبْلَ لِقاَئِناَ يَا جَنَّتِي … لَمْ تَظْفَرِي مِنِّي بِقَوْلٍ مُسْعِدِ
وَكَعَادةِ الْحَظِّ الشّقِّي وَعَادَتي … أَقبَلْتُ بَعْدَ ذَهَابِ نَجْمِي الأوحَد
تَتَعَاقَبُ الأقْدَارُ وَهْيَ مُسِيئَةٌ … كَمْ عَقَّناَ لَيْلٌ وَخَانَ نَهَارُ!
وَكأَنما هَذَا الْفَضَاءُ خَطِيئَةٌ! … وَكأنّ هَمْسَ نَسِيِمهِ اسْتِغْفَارُ
وَكأَنهُ أَحْزَانُ قَوْمٍ ساروا … هَذِى مآتِمُهُمْ وَثَمَّ ظِلالُها
عَفَتِ الْقُصُورُ وَظَلتِ الأسْوَارُ … كَمَناَحَةٍ جَمُدَتْ وَذَا تِمْثاَلُها!