الحكمة الحائرة
للأديب عبد الرحمن الخميسي
(إِذَا لَمْ يُعَكِّرْ صَفَاَء السِّماء … نِثَارٌ مِنَ السُّحُبِ الْعَابِرَةْ
فَلَيْسَتْ تَبِينُ تَهَاوِيلُهَا … وَلَا صَفْوُ قُبَّتِهَا السَّاحِرَةْ
وَإِنْ لَمْ يَثُرْ في حَوَاشِي الْحُقولِ … شِتَاءٌ، هَوَاطِلُهُ غَامِرَةْ
فَمَا تَتَرَعْرَعُ أَغْرَاسُهَا … وَمَا تُورِقُ الْخُضْرَةُ الزَّاهِرَةْ
وَلَوْلا شُبُوبُ الْحَرِيقِ لَمَا … فَزِعْنَا إلى الْغُدُرِ الْهادِرَة
وَهذَا الصَّبَاحُ يُطِلُّ خِلَالَ … نَوَافِدَ حَالِكَةٍ بَاسِرَةْ
وُيولَدُ في رَاحَتَيْ ظُلْمَةٍ … لِيَنْفُثَ أَنْوَارَهُ الْبَاهِرَةْ
فَلَا بُدَّ لِلشَّرَّ من أن يَعِيشَ … وَتَحْرُسَهُ الأَنْفُسُ الْخَاسِرَةْ
لِتَبْزُغَ في عُمْرِهِ هَالَةٌ … مِنَ الْخَيْرِ صَادِقَةً طَاهِرَةْ
وَتِلْكَ نَوَامِيسُ هذَا الْوَجُودِ … وَتِلْكَ هِيَ الْحَكْمَةُ الْحَائرَةْ)
كَذَلِكَ قَالَتْ لِنَفْسِي الْحَيَاةُ … وَأَوْحَتْ مَعَالِمُها السَّاخِرَةْ
وَقَالَ لِيَ الصَّقْرُ في عِزَّةٍ: … أُحَلِّقُ فَوْقَ الذُّرَى النَّافِرَةْ
وَأَنْقَضُّ في اللَّيْلِ فَوْقَ الْوُكُورِ … وَأَنْهشُ أََطْيَارَهَا السَّادِرَةْ
وَأَتْرُكُهَا لِلدُّجَىَ وَالسُّكُونِ … هَوَاتِفَ بِالْفَجْعَةِ الْغَادِرَةْ
وَيُسْفِرُ في الرَّوْضِ وَجْهُ الصَّبَاحِ … فَتُعْوِزُهُ الْجَوْقَةُ الطَّائرَة
وَيَسْأَلُ مُسْتَنْجِداً بِالْغُصُونِ … عَنِ الطَّيْرِ وَالغُنْوَةِ الْبَاكِرَةْ؟
فتَهْتَزُّ هَامَاتُهَا حَسْرَةً … وَتَدْمَعُ أَزْهَارُهَا الْعَاطِرهَ
لأِنَّ الْعَصَافِيرَ مَا اسْتَيْقَظَتْ … وَمَا هَلَّلَتْ بِالشَّذَى سَاكِرَة
وَمَا اسْتَقْبَلَتْ بِالْغِنَاءِ السَّنَى … وَمَا حَوَّمَتْ في الْفَضَا ذَاكِرَة
وَيَنْسَابُ بَيْنَ الْعَشَاشِ الضِّيَاءُ … لِيُوقِظَ أَطْيَارَهَا الشَّاعِرَة
وَيَرْتدُّ مُنْذَعِراً بَاهِتاً … وَتَفْتُرُ لمْعَتُهُ الْوَاهِرة
إِذَا مَا جَرَى فَوْقَ أَعْشَابِها … عَلَى جُثَثٍ مَيْتَةٍ ضَامِرَة
وَيَعْلَقُ بِالنَّسَماتِ النَّدَى … دُمُوعاً مُبَلْوَرَة ثَائرَة