قد كنت شيئاً. . .
للآنسة الفاضلة (دنانير)
أينَ زمانٌ كابتسام الضُّحى … تُظِلُّني أغصانُهُ الوارفَةْ
أشهى من الدنيا إذا أَقْبَلَتْ … أينقضي كاللمحة الخاطفَةْ
ما كنتُ إذ حاولتُ إبقاَءهُ … إلاَّ كمن أُوقظ من رقدتِهْ
مدَّ يدْيِه خلفَ حُلْم سرى … يودُّ لوْ يُبقيهِ في مقلتِهْ
أخشى على قلبيَ من يقظةٍ … تسلُبُه أطيافَ أحلامِهِ
فإِنما يحيا بتلك الرُّؤَى … ومن رؤاهُ فَيْضُ إلهامِهِ
يا من نأى الصدُّ به والنوى … هلْ ضِقْتَ بالشوقِ وتبريحِهِ
فحاجةُ النفس إلى إلْفِها … كحاجة الجسم إلى روحِهِ
لكنَّما قلبُكَ غِيضَ الهوى … منه فأَضحى ناضبَ المنبعِ
وماتَ ممّا جفِّ، فانظرْ إلى … حُطامِهِ وابكِ عليه معي
أَوْ لا فكيف اليوم عاف الهوى … وطُهْرَ دنياهُ وعُليَا سماهْ
وراحَ يَهْوى في حضيض الثرى … يخلِبُهُ جاهُ الغنى والرفاهْ
هل يَسْتوي القلبان هذا مضى … في الأرض يَسْتَهْويهِ وَهْجُ الذَّهبْ
وذاك في الأفلاكِ تصعيدُهُ … يفتُنهُ النورُ ووهْجُ اللهبْ
رغائبُ العيش وأطماعُهُ … رَاوَدْنَ منكَ القلبَ حتى غَوى
يا ضَيْعَة القلبِ إذا لم يكنْ … لعالم الحبِّ ودنيا الهوى
دُنيا من الطُّهْرِ هَيُوليّةٌ … وكلُّ ما فيها رقيقٌ شَفِيفْ
خفيّة الألطافِ إلاَّ على … مَنْ مسَّهُ منها الشعاعُ اللطيفْ
وعالَمٌ أبدعَهُ ساحرٌ … يَنْفُثُ فيه من هُنا أوْ هُنا
لطافةُ السَّحرِ وإعْجازُهُ … صاغاهُ جمَّ العَطر جمّ السَّنا
قد كنتَ شيئاً راعني سحُرُه … صورّهُ وهْمي وصاغَ الخيالْ
واليومَ ما أنتَ؟ لقد بِنْتَ لي=حقيقةً أفرِغَ منها الجمالْ
(فلسطين)