حَنةُ غريب!!
للأديب محي الدين صابر
مضى الَرَّكبُ، يا قلبي، فأين حبائبي … وأينَ مجالاتي؛ وأين مذاهبي؟
وأين الرَّبيعُ الحلُو؟ قد مات في يدي … وصوَّح إلاّ صورةً في رغائبي
وأين العِشيَّات الرِّطابُ؟ عَبْرَننِي … كما تعبرُ الصحراَء، غنوةُ راكب!
وأين غدي؟ إنِّي دفعتُ خيالَهُ … على جدولٍ في منهل الغيب ساكبٍ!
ويومي؟ لقد كفَّنْتُه. . . في دمُوعه … بوادٍ حزينِ الظلِّ سَأمانَ شاحب!
وعشتُ فضاءٌ ناعساً خلف ربوةٍ … على سفحِها المحرومِ، أغفتْ ركائبي
ملالُ طريدٍ. . . أو سآمةُ مُدْلجٍ … ويأسُ شَقّيٍ. . . أَو تثاؤب شارب!
فيا موكبَ الأحزانِ عطلتَ فرْحِتي … وشرَّدْتَ أنغامي وأْضرعْتَ جانبي!
وأطلقتني في اللَّيل؛ كاللَّيل ذاهلاً … حنيفاً. . . كأنِّي فيه دمعةُ راهب!
وأفردتْني كالنَّجْم حَيْرانَ ساهِراً … كأني على دنياكَ. . . لَفْتَةُ هارب!
وأظمأَتِني حتى من الوهمِ. . . في دمي … وكان كثيراً، كالحياةِ، مَشَاربي. . .
وأفقرتَنِي حتى المنَى. . . ما تزورني … وكانت يدُ الأقدار تُسْنِى مَطالبي!
وأشقيتني يا ذلَّ روحي، على الذُّرى … وضيعةَ أيَّامي؛ بوادي المصائب
تمرُّ بيَ الذكرى؛ فأجثو كأنني … ضميرُ نبّيٍ. . . أوْ ضراعةُ تائبِ
فتنثر أفراحي، على حَرِّ مهجتي … كما تنثرُ الأشواقَ دمْعةُ عاتب
أُحدِّثها كالطِّفْل حين تهزُّهُ. . . … طرافةُ لهٍو، أو مجانةُ صاحب!
وأبكي كما يبكي الغريبُ قد الْتَقَى … بسامره - بعد النوى - والحبائب!
واعذرُ دمعٍ. . . دمعةٌ كُرِّمتْ بها … محاريبُ اشواقٍ - خلتْ - وملاعب!
أحسُّ حياتي في التراب صريعةً … تساقَطُ من روحي، كأنفاس لاغب
وأغمضُ عَيْني أستعيدُ مباهجي … وأخدعُ حِسِّي في الليالي الذَّواهب
لياليَ أشباهٌ حياتي. . . على الهوى … فيومي ندىُّ الأُفْق. . . رطب الجوانب
وليلىَ أنغام، وخمرٌ وفتنةً … وسُمَّار صدقٍ. . كالأماني الكواذب!
فعُدْنَ كأنَّ الكأسَ دمعٌ شربتُه … وأنَّ صدى الألحان صرخةُ نادب